يكفيكم أنْ تَطلعوا على نماذجَ من سيرِ أصحابه لتروا كيف كانوا يعملون، وكيف كانوا لأوقاتِهم مُستثمرين، وفي ذلك إجابةٌ لمنْ لازالوا حائرين في استثمارِ الأوقاتِ، متطلعين إلى نماذجَ راشدةٍ في ملءِ الفراغِ ، وبماذا تُقضى الأوقاتُ ؟
وإذا كانت العبادةُ الحقةُ لله ربِّ العالمين هدفَ الوجودِ في هذه الحياة امتثالًا لقوله تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) (سورة الذاريات:56) .
فقد ضربَ الصحابةُ - رضوان ا لله عليهم - أروعَ الأمثلة في استثمارِ الوقتِ فيها فالصلاةُ - مثلا- لا يُشغلُهم عنها شاغلٌ ، ولا يصرفُهم عنها صارفٌ ، حتى ولو كانوا في ساحاتِ الوَغى، ولا تسألْ عن حُسْنِ صَلاتِهِمْ ، وطولِ قراءتِهم ، وقيامِهم وركوعِهم وسجودِهم وخشوعِهم، حتى أُطلِقَ على بعضِهِمْ السُّجاَدُ (محمد بن طلحة بن عبيد الله) لعبادتِه وتألِهه [6] .
وبلغَ الحرصُ بهم في المحافظةِ عليها مع جماعة المسلمين ، إذا أحدُهم إذا فاتته العِشاءُ في الجماعةِ أحيا بقيةَ ليلتِه كما ثبت عن ابن عمروٍ - رضي الله عنهما [7] .
وفي الصيامِ لهم أخبارٌ، وأحوالٌ تراها النفوسُ الضعيفةُ ضربًا من الخيالِ ، ففي ترجمة أبي طلحة الأ نصاري رضي الله عنه (( أنَّه كان يسردُ الصومَ ، وأنَّه كان لا يَفطِرُ إلا في سفرٍ أو مرضٍ ) ) [8] .
إخوةَ الإيمانِ
مما يستثمر الصحابةُ رضوان الله عليهم به أوقاتَهم تلاوةُ كتاب الله، تعلمًا وتعليمًا وعملًا ، فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يسأل عنه عليٌّ رضي الله عنه فيقول قراءُ القُرآنِ ، ثم وقف عنده وكفى به [9] .
وفي رواية أخرى: وعلمُ السُنَّةِ وهو القائل: (( كان الرجلُ منا إذا تَعلَّم عشرَ آيات لم يجاوزهن حتى يَعرفَ معانيهن ، والعملَ بهن ) ) [10] .
وكانوا يعقدون لتعليمِ القرآن الحلق، وتمتلئ المساجد بالمتعلمين ولا تكاد تخلو من القائمين به في ساعاتِ الليلِ والنهارِ، وأَنعِمْ بكتابِ الله رفيقًا، وأَكْرِمْ ببيوتِ اللهِ مَوئِلًا.
وكان القومُ جادين في حياتِهم ، مستثمرين لأوقاتِهم كذلك في بيوتهم، فهذا نافع - رحمه الله يُسألُ: (( ما كان يصنعُ ابنُ عمرَ في منزلِه ؟ قال: لا تطيقونَه: الوضوءُ لكلِّ صلاةٍ ، والمُصحَفُ فيما بينهما ) ) [11] .
عبادَ اللهِ
يا من ترومون نهجَ السلف، وتريدون الاقتداءَ باستثمارِ الأوقاتِ بما ينفعُ، فقد كان للعلم والتعليم بكل عامٍ نصيبٌ وافرٌ من أوقاتِ العارفين، ومع ما كانوا فيه من عبادةٍ خاصةً ، فقد كانوا يؤثرون الناس على أنفسِهم، ويَجلسون لتعليمِهم إذا احتاجوا إليهم ، ويعتبرون ذلك ضربًا من العبادةِ يتقربون بها إلى خالقِهم كما رُوي عن أبي بن كعب رضي الله عنه [12]
وحين يَرِدُ الاختلافُ بينهم فيما يقرؤون من أجلِ التعليمِ يَنتهِي في وقتِه، لأنَّ الحقَّ رائدُهُم، وهذا أبي بن كعب _ رضي الله عنه - كان يقرأ قوله تعالى: (( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) ) (سورة الفتح:14) .
ولو حميتُم كما حموا لفسد المسجدُ الحرامُ ، فبلغ ذلك عمرَ- رضي الله عنه- فأغلظَ له، فقال يا عمرُ: إنَّك لتعلم أني كنت أدخلُ على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيعلمني مما علَّمهُ اللهُ ، والله لئن أحببتَ لألزمنَّ بيتي فلا أُحدثُ شيئًا ولا أقرىءُ أحدًا حتى أموتَ ! فقال عمرُ: اللهم غفرًا، إنَّا لنعلمُ أنَّ اللهَ قد جعل عندَكَ علمًا فَعلِمِ الناسَ ما عُلِّمْتَ.
وفي رواية: بل أنتَ رجلٌ عندك علمٌ ، وقرآنٌ فاقرأ وعَلِّمْ مما عَلَمَّك اللهُ ورسولُه [13] .
ولم يقف الأمرُ بهم عند حدودِ العلم والتعليم، بل استثمروا جزءًا من أوقاتِهم في الدعوة لله ، فانتشروا في مشرقِ الأرض ومغربِها، يُعلِّمُون الناسَ الخيرَ، ويَدعون إلى اللهِ بالحسنى، ويَحملون صفاءَ الإسلامِ ، وإشراقَ العقيدةِ حتى هدى اللهُ على أيديهم أُممًا من الناس، واستنقذ اللهُ بهم فئامًا من الخلقِ ، وهم في ذلك كله مسترشدون بهديِ نَبِيِّهم - صلى الله عليه وسلم- الذي لم يكفه بياضُ النهار في الدعوةِ للخير، بل استثمرَ سوادَ الليل، .
وهذا عمرُ - رضي الله عنه- يحدثنا أنّه كان هو وأبو بكر رضي الله عنه يسمرون مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلًا في بيت أبي بكرٍ في بعضِ ما يكونُ من حاجةِ النبي صلى الله عليه وسلم )) [14] .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ).
الخِْطبةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِيْنَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ رب العالمين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، اللهم صلِّ وسلم عليه، وعلى سائرِ المرسلين.
أيَّها الأخوةُ المسلمون
ثَمَةَ مَا يَقْضِيْ به المُسلمونُ أوقاتَهم، ويتقربون به إلى خالقِهِمْ ألا وهو الجِهادُ في سبيلِ اللهِ ، والمرابطةُ في ثغورِ المسلمين، وهذا أبو طلحة رضي الله عنه شيخٌ كبيرٌ، ومع ذلك يقرأ قوله تعالى: (( انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) (سورة التوبة:41) .
فيقول: استنفرنا اللهُ وأمرَنَا شيوخَنا وشبَابَا، جهزوني، فقال بنوه: يرحمُك الله، إنَّك قد غزوتَ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعمرٍ ، ونحن نغزو عنك الآن، قال: فغزا البحرَ فماتَ، فلم يجدوا له جزيرةً يدفنونَه فيها إلا بعد سبعةَ أيامٍ فلم يَتغيرْ )) [15] .
ولئن عجبتَ من همةِ هذا الشيخ الكبيرِ ، واستثمارِ عُمرِه حتى الممات، فعجبُكَ سيكونَ أعظمَ حين تَقفُ على همةِ شيخٍ ضريرٍ ، عذره اللهُ وأنزلَ بشأنِه وأمثالِه قوله تعالى: (( لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ) ) (سورة النساء: 95) .
ومع ذلك كان يغزو بعد ويقول: ادفعوا إليَّ اللواءَ فإني أعمى لا أستطيعُ أنْ أفِرَّ وأقيموني بين الصفين [16] .
ويُقال: إنه قاتلَ - رضي الله عنه - يوم القادسية، وفي رواية أخرى: شهدهَا ومعه الرايةُ، ويقال: إنَّه استُشهِدَ يومَ القادسية [17] .
وإذا كانت تلك همةَ هؤلاءِ ، فلا تسأل عن همم من سواهم! ويكفيك أنْ تقفَ على مقولة سيفٍ من سيوفِ اللهِ أبلى في الجهاد بلاءً حسنًا، وأمضى حياتَه بين صليل السيوف ، وطعن الرماح، ومع ذلك كان يستشعرُ لذةَ هذهِ الحياة، ويرجو أجرَها عند اللهِ فيقول: خالد بن الوليد رضى الله عنه: (لقد طلبتُ القتلَ مظانّه فلم يُقدَر لي إلا أنْ أموتَ على فراشِيْ، وما من عملي شيء أرجَىْ عندِي بعد أن لا إله إلا الله من ليلةٍ بتُّها وأنا متترسٌ ، والسماء تهلني تمطر ، إلى صبحٍ حتى نغير على الكفار) [18] .