فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 788

كما يوجد من بيننا من حوّل ساعات الترفيه والاسترخاء إلى وجه آخر من وجوه الحضور للمسلم المنتمي إلى عصره ومجتمعه انتماء مشاركة، وتعاون على البر والتقوى، وتفكر وتدبر في كل دقيقة، وكيف تملأ بما يكفل عائدًا مجزيًا ومردودًا مريحًا؛ وذلك عندما يوفق في قضاء ساعات راحته مع فئة من الناس تتبسط بغير استهتار، وتتحادث بغير إسفاف، لا تخلع العذار في مزاحها، ولا تسقط الحياء في لهوها، تتهادى الكلمة الطيبة، وتتبادل الأفكار التي تفتح للأمل أبوابًا، وتوصد من اليأس مثلها، يحضرهم سمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عند أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ الذي كان سمرًا في مصالح المسلمين، وقول عمر ـ رضي الله عنه ـ:"إنه لم يعد له من أرب في العيش لولا محادثة أهل الفضل والمروءة".

إن مثل هذه النماذج المباركة جعلت من لقاءات الترفيه والسمر مدارس تبث الكلمة النافعة، وتضخ الخبرة الناضجة لجُلاّسها؛ لأنها:

-لم تفهم الترفيه تحررًا من المسؤولية، وتحللًا من الفضيلة مرددة مقولة جاهلية ومأثورة شيطانية:"ساعة لك وساعة لربك"، أو:"دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله".

-لم تفهم الترفيه هروبًا إلى رفقة سوءٍ رأت في الحياة عبءًا، والعمر همًا جاثمًا على الصدر، فتفننت في التخلص منهما، والتحلل من مستلزماتهما.

-لم تفهم الترفيه هروبًا إلى العكوف بين يدي متحدث عليم اللسان، فارغ الجنان، اختزل الحياة بساقط النكات والقهقهة العابثة التي رأت في سخف القول والعمل سقفًا للعيش، ومضمارًا للهو والطيش.

-لم تفهم الترفيه هروبًا من الأسرة وحقها في أوقات تأخذ من الأب تجربته، كما يلقي الأب السمع إلى أفكار ورؤى أبنائه وبناته، لا يتركهم تحتبس الكلمات في صدورهم، والأسئلة في عقولهم، يغيب عنهم وعن زوجته ليحل محله يأس طاغ، أو رفيق سوء باغ، أو جلوس إلى قنوات فضائية تتسمر أعينهم في صورها، يلتهمون سمها الزعاف وفكرها القاتل.

-لم تفهم الترفيه استقالة من معالي الأمور، وانتحارًا بطيئًا غير مباشر من تبعات الحياة، حتى صار هؤلاء القوم يقدمون الاستراحة على البيت، وروادها على الأسرة، والحياة الهاربة من كل التزام جاد على الحضور الذي تتحقق به ومعه أهداف الحياة، حتى إن بعضهم ليحسب أنما خلق عبثًا للعيش بلا دور سوى حضور باهت على هامش الحياة معطلًا فيه عقله، معلقًا رجولته بخيوط العجز واللامبالاة، مؤكدًا حضوره بتثاؤب مكدود، عيناه باتتا موانئ للذباب، وروحه ملاعب لجيوش اليأس والإحباط.

-لم تفهم الترفيه سخرية لاذعة من الإصلاح والمصلحين، والجد والجادين، بل رأت في الترفيه والسمر فرصًا لرفعه إلى مستويات الجد من خلال دعاء لحاكم ومحكوم بالتوفيق والنجاح، أو من خلال جمع بعض المال تفك به أزمة مأزوم، أو بالتداول في طرائق النصح لمنحرف ضل الطريق، وهكذا كانت أوقات الترفيه استمرارًا لأوقات الجد واستكمالًا لساعات العمل.

إذا كان الناس يتداعون لشهود صلاة الجنازة على ميت مات فما العمل إزاء شريحة كبيرة من أفراد الأمة باتوا أحياءًا أمواتًا، وأصبحوا حاضرين غائبين، همشوا أنفسهم، أو همشتهم ثقافة الإقصاء التي تجرعوها، توارثوها من أسر لا تمسك علمًا، ولا تنبت قيمًا.

شريحة تعيش في الحضيض، وإخوانهم من شياطين الجن والإنس يمدونهم بالغي ثم لا يقصرون، يوهمونهم أنهم يحسنون صنعًا، وأنهم في قلب الحياة، والحق أنهم لم يدخلوها إلا بشهواتهم، ولم يحضروا إلا في أطرافها النائية.

هل هؤلاء الذين ارتضوا من الغنيمة بالإياب، ومن الحياة بالفتات؟

هل هؤلاء ضحايا أم خاطئون؟ برءاء أم مسؤولون؟

هل هم نتاج الثقافة الزائفة؟

هل هم دلائل ساطعة على إخفاقنا، وإخفاق المؤسسات العامة والخاصة في استيعابهم؟

وهل حسبُنا أن نطرح السؤال فقط؟ أو أن نشخص الأوجاع فحسب؟

إن ذلك فهم، ولكن الأهم أن ننتفض انتفاضة نفسية وعقلية لمواجهة النزف والهدر في هذه الشرائح، وأطْرها على الحق من خلال كل الوسائل المتاحة والمباحة؛ لأن الأمة لن تقدر على نهضة جادة وفي خواصرها جروح نازفة يأسًا، راعفة إحباطًا، هاذرة في الملمات، هائمة في وقت الحاجة الماسة إلى التركيز.

شوال 1420، فبراير 2000

كيف يستفيد المسن من وقته ؟

قطار العمر يمر بمحطات ومراحل يقف الفرد في كل منها ليؤدي دوره حسب خصائص هذه المرحلة ومتطلباتها، فمن مرحلة الطفولة إلى البلوغ والشباب إلى الرجولة إلى الشيخوخة والمعاش، تتعدد الأدوار الإنسانية والوظيفية، ولكل منها خصائصه ومشاكله، فعندما يصل قطار العمر إلى مرحلة المعاش يشعر الفرد أنه أدي رسالته في الحياة، وأنه قد آن له أن يستريح بعد رحلة العطاء الطويلة، لكنه ما يلبث أن يشعر ببعض الأعراض المرضية سواء الجسدية أو النفسية، كما يطارده شبح الفراغ وانتفاء القيمة والشعور بأنه أصبح طاقة معطلة أو عالة على ذويه.

فكيف نمحو هذه الصورة القاتمة عن المسن؟ وكيف نعيد له الأمل في الحياة والعطاء ونساعده على الاستفادة بوقته في خدمة المجتمع؟ هذا التحقيق يجيب عن هذه التساؤلات ويبعث في أحبائنا الكبار أملًا جديدًا في الحياة.

المناقشة أولًا:

تقول سماح علي - معهد عالي إدارة وسكرتارية جامعة القاهرة: الإنسان يستفيد من الأكبر سنًا لأن لديهم قدرة أكبر على المعرفة، وخبراتهم في العمل أكثر، وهذا يهييء الشباب للحياة وللعمل.

هبة محمود - تجارة القاهرة: نستفيد من كبار السن في نصائحهم، حيث إن زمانهم أفضل من زماننا، فنحن نريد أن نستفيد من خبراتهم في التربية للأبناء ومن خبرات العمل المختلفة.

منى أسامة - تجارة: نحن نستفيد منهم بما يتلاءم مع ظروفنا، كيفية التعامل مع الآخرين، يمكن أن نناقشهم في آرائهم وخبراتهم، وفي النهاية نستجيب لهم، فوالدي يفرض علي بعض الأشياء ولكن يكون هناك مناقشة بيننا، وفي النهاية أستجيب له.

شيماء عمر - معهد عالي إدارة وسكرتارية القاهرة: أتقبل منهم ولكن لابد من مناقشتهم، أرى أنه لابد من الاستفادة من خبراتهم حتى يتطور المجتمع وينمو ويزدهر، فهم طاقة لابد من استغلالها وخبرات لابد من الاستفادة منها.

عادل محمد - آداب: نريد معرفة المشاكل التي قابلتهم وكيفية حلها، وما هي والوسيلة التي ساعدتهم على حل مشاكلهم وجعلتهم يتطوروا، وأيضًا يكون هناك مناقشة بيننا وبينهم.

أحمد حسن - حقوق: كبار السن هؤلاء إما أجدادنا أو آباؤنا في كلا الحالتين نستفيد منهم، فالأب أو الجد أحيانًا يجلس مع أبنائه أو أحفاده ويحكي لهم عن ذكرياته، وعن أيام زمان، وكيف كانت الحياة؟ وكيف كان يعمل ويكافح حتى يصل إلى منصب معين؟ فهذه خبرات ولكن يستفيد منها من لديه عقل واعٍ، فليس كل الشباب يتقبل هذه الخبرات، لذلك لابد من وضعها في إطار معين كي يستفيد المجتمع كله منها.

الحياة أدوار ومراحل:

في البداية توضح د. إلهام فرج - مدرس اجتماع بآداب القاهرة - أن المجتمع عبارة عن مجموعة علاقات وأدوار، وهذه العلاقات قد تأخذ شكل زوج وزوجة لكل واحد منهما دوره، فالزوج مثلًا يمارس دوره كزوج ثم كأب وجد.

ومع تدرج مراحل العمر تختلف الأدوار أو تتطور طبيعة الدور حسب متطلبات المرحلة.

فدور الأب مع أبنائه قد يختلف عن تعامل الجد مع أحفاده، كذلك يختلف الدور الوظيفي للفرد بتدرجه في المناصب في السلك الوظيفي فيبدأ موظفًا بسيطًا، ثم يرتقي في العمل حتى يصبح مديرًا ثم يحال إلى المعاش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت