فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 788

والله غالب على أمره، ولو كره المرجفون.

الولاء والبراء بين العلم والحال في نازلة الزمان

عبدالعزيزالجليّل 23/8/1423

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا - أما بعد:

فالمقصود من عنوان هذه المقالة: التفريق بين من يعلم حقيقة التوحيد ، ومقوماته ، وأنواعه ونواقضه مجرد علم نظري مع ضعف في تطبيقه والتحرك به ، وبين من يجمع مع العلم العمل والتطبيق ، وظهور آثار التوحيد في حاله وأعماله ومواقفه .

ويدخل هذا تحت ما سماه الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - بالقوة العلمية والقوة العملية، حيث ذكر أن الناس مع هاتين القوتين أربعة أقسام: 01 فمن الناس من تكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ، ومنازلها، وأعلامها، وعوارضها ومعاثرها ، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه ، ويكون ضعيفًا في القوة العملية ، يبصر الحقائق ، ولا يعمل بموجبها ، ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها ، فهو فقيه ما لم يحضر العمل ، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف ، وفارقهم في العلم ، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم ، والمعصوم من عصمه الله ولا قوة إلا بالله .

02 ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية وتكون أغلب القوتين عليه ، وتقتضي هذه القوة السير ، والسلوك ، والزهد في الدنيا ، والرغبة في الآخرة ، والجِد ، والتشمير في العمل ، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد والانحرافات في الأعمال والأقوال والمقامات ، كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات ، فَداءُ هذا من جهله، وداء الأول من فساد إرادته وضعف عقله ، وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم.

03 ومن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله ، ورُجي له النفوذ ، وقوي على رد القواطع والموانع - بحول الله وقوته - ، فإن القواطع كثيرة شأنها شديد لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد ، ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين ، ولو شاء الله لأزالها وذهب بها ، ولكن الله يفعل ما يريد ، والوقت -كما قيل - سيف فإن قطعته وإلا قطعك .

04 فإذا كان السير ضعيفًا ، والهمة ضعيفة ، والعلم بالطريق ضعيفًا، والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة ، فإنه جهد البلاء ، ودرك الشقاء ، وشماتة الأعداء ، إلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب ، فيأخذ بيده ويخلصه من أيدي القواطع ، والله ولي التوفيق طريق الهجرتين ( 335، 336) طبعة الشؤون الدينية القطرية.

وقد زاد - رحمه الله تعالى - هذا المعنى وضوحًا عندما تحدث عن التوكل ، وحقيقته ، والفرق بين مجرد العلم به وبين التحرك به عملًا وحالًا ، حيث قال:"فكثير من الناس يعرف التوكُّل وحقيقته وتفاصيله ، فيظن أنه متوكل ، وليس من أهل التوكل ، فحال التوكل: أمر آخر من وراء العلم به ، وهذا كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها ودواعيها ، وحال المحب العاشق وراء ذلك ، وكمعرفة علم الخوف ، وحال الخائف وراء ذلك ، وهو شبيه بمعرفة المريضِ ماهيةَ الصحة وحقيقَتها وحاله بخلافها ."

فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوى فيه بالحقائق ، والعوارض بالمطالب ، والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم"مدارج السالكين 2/125ا.هـ ."

وحري بهذا الكلام أن تعقد عليه الخناصر، وتعض به النواجذ ، وأن يهتم به المربُّون مع أنفسهم ومن تحت أيديهم ، فلقد كان من مضى من العلماء الصالحين الربانيين يخافون على أنفسهم من الضعف العملي ، أو ضعف الحال مقابل ما عندهم من العلم الكثير ، وكانوا لا يركنون إلى شهرتهم العلمية ، بل كانوا يكرهون أن يتضخم علمهم ويشتهروا به بين الناس وليس في قلوبهم وأحوالهم ما يكافئ ذلك من الأعمال الصالحة ، والأحوال الشريفة ، والتي هي مقتضى الفهم والعلم .

ولنا أن نتساءل ونفكر ، أيهما أسعد حالًا ومنزلة عند الله - عز وجل - رجل أوتي من العلم ما يتمكن به من حشد النصوص الدالة على فضل قيام الليل والأسباب المعينة على ذلك ثم هو لا يقوم الليل ، وآخر لا يعلم من ذلك إلا أن قيام الليل مستحب وأجره عظيم فاجتهدَ ليلة بين يدي ربه - تعالى - ساجدًا وقائمًا ، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ؟ فالمرء لا يكون قائمًا الليل بمجرد علمه بفضل ذلك وأحكامه ، ولا يكون ورعًا بمجرد علمه بالورع، وللاا يكون صابرًا بمجرد علمه بالصبر وتعريفاته وأنواعه ، ولا يكون متوكلًا بمجرد علمه بالتوكل وأقسامه ، وفرق بين علم الحب وحال الحب ، فكثيرًا ما يشتبه على العبد علم الشيء بحاله ووجوده ، وفرق بين المريض العارف بالصحة والاعتدال ، وهو مثخن مريض، وبين الصحيح السليم ، وإن لم يحسن وصف الصحة والعبارة عنها ، وكذلك فرق بين وصف الخوف والعلم به وبين حاله ووجوده ، وإياك أن تظن أن مجرد العلم بهذا الشأن قد صرت من أهله هيهات، مما أظهر الفرق بين العلم بوجوده الغني وهو فقير وبين الغني بالفعل انظر زاد المهاجر ص26 ، طريق الهجرتين ص 196 بتصرف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت