وهكذا فإن كان فينا أفراد قد قطعوا كل ما للصلاح الفردي من المراحل، ولكن بدون أن يكون لهم نصيب من الارتباط والتعاون الاجتماعي، فإنما هم بمثابة البهلوان الذي لا يعمل كعضو فعال لفرقة منظمة ومع ذلك يدعو لمصارعته فرقة منظمة من أعدائه...
إننا نستطيع أن نقول وذلك باعتبار الصلاح الفردي، إن من الشباب من قد خصهم الله بعلوٍ في الأخلاق، وطهارة في السيرة، وإنا لنغبطهم على ذلك، راجين من الله أن يثبتنا وإياهم على طريق الخير والهدى إنه من الظاهر أن كل فرد في هذه الدنيا إنما يعيش متعاملًا مع غيره من الأفراد، فإذا لم يكن بين الأفراد حسن التظان والمساواة والإخلاص والإيثار والتضحية من بعضهم لبعض.
أو نقول بعبارة أوجز وأشمل"صلاح القلوب"فإن الاختلاف في طبائعهم لا بد أن يقضي على ما يبت.... من التعاون بينهم، إذا لا يسير نظام العمل إلا على مبدأ: أن تترك شيئًا لخاطر غيرك، ويترك هذا الغير شيئًا لخاطرك.. أيها الشباب: إذا كنتم لا تجدون أنفسكم مستعدين لها فلا تتفكروا أبدًا في إحداث انقلاب في الحياة الاجتماعية في الأسر المسلمة... [انظر هذا في تذكرة دعاة الإسلام لأبي الأعلى المودودي 48-51، المكتب الإسلامي - دمشق] .
إنه وبعد ذلك كله من المقدمة في كيفية تكوين شخصية الداعية إلى الله وتربيتها وتذكيرها بهذه المعاني السامية تكون عزيزة كريمة، بل وداعية عظيمة، فتكمل بذلك ذاتيتها وشخصيتها؛ فكان من المناسب لها أن تتصف بالصفات اللازمة لها حتى تكون نفس مؤمنة مسلمة حتى حوت الإسلام كله بتلكم الصفات الحق
نظرية صناعة الحياة...الجزء الأول
هي دعوة لفهم العلاقات الحيوية وعوامل التأثير فيها وكيفية تقلبها في مجاريها ومساربها، وهى استثمار لحقائق علمية، واستعمال لأسرار اكتشفناها، كما أنها نتائج لمقدمات غرستها الطريقة المنهجية التي توصل له كبار علماء السلف من أمتنا.
إن هذه النظرية تؤدي إلى إعادة توزيع الواجبات وتقاسم الأدوار، في محاولة لاختصار بقية الوقت، وتقليل الجهد، مع الدخول إلى ساحات التأثير من المداخل الطبيعية الفطرية البريئة من التكلف بحيث يشعر الناس أننا نحمل همومهم، ونتكلم بلغاتهم، ونتجانس مع عواطفهم، وندلى بالرأي لا بلهجة الأمر، وإنما بهيئة الناصح المشير الخبير، الذي ارتاد لقومه فأطلعته الريادة على ما لا يعلمون.
وتسميتنا لهذه النظرية بصناعة الحياة تعنى أننا ننظر إلى إدارة الحياة على أنها (صنعة) لها فنونها الخاصة، وتجودها الخبرة المكتسبة إذا تراكمت، كمن يشتغل حدادًا فتجب عليه الإحاطة بخصائص الحديد، أو نجارًا فتلزمه معرفة أنواع الخشب.
فكذلك الحياة، بما فيها من بشر وعلاقات وأموال وعلوم وفنون، فوجبت علينا معرفة خصائص البشر الفطرية وأسرار علاقاتهم. ولأننا نمارس (صنعة) فإن المهارة فيها تكون واجبة.
نحن في تصرف وتغيير للموجود، والحداد قد يطرق قطعة الحديد فيؤلمها، من أجل أن يضيف إلى حوزة الحياة آلة منتجة، والنجار قد ينحت الخشب ويهدر منه الكثير من أجل الجمال، وكذلك الداعية مهندس الحياة.
لكنه صراع وتنافس، كمثل ما في أي سوق: أيهم أسبق إلى الشاري، إذ الكافر يفعل ما يوازي فعلنا، وينطلق أيضًا من نظرية وتخطيط، ويضع هندسة مغايرة. وحين تكون الخطة الإسلامية واسعة شاملة فإن التأثير يتعدى توجيه الجيل الواحد، أو استثمار حفنة أموال، ليكون تأثيرًا (حضاريًا) يمتد إلى أجيال، ويضرب في عمق الزمن ورحابه المكان، ولذلك تحتاج نتائجه هذه إلى مقدمات تناسبها تمتد ربما إلى عشرات السنين. وكذلك الخطة الكفرية أيضًا قد تؤدي إلى حضارة معاكسة تستولي، ويكون الكافر قد صبر على التقديم لها دهرًا طويلًا.
قد نستطيع إيجاز الأمر بسؤال صيغته: كيف نمسك بزمام الحياة؟
الإمساك بزمام الحياة يستدعى نزولًا إلى الساحة بأفق حضاري شامل، فيه إصلاح للأدب، وبناء للاقتصاد، وحيازة للمال، وسيطرة على العلوم، ونفاذ إلى مراكز القوة.
في الحياة طاقات كثيرة ومجاميع بشرية هائلة، وجعل هؤلاء البشر يؤدون واجب العبادة لله تعالى إنما يكون حين يعرف دعاة الإسلام كيف يكون علوهم على تيار الحياة ليمسكوا بزمامه، ومن ثم توظيفه لأداء هذه العبادة، وليس هو السير في خضم التيار، بحيث تتقاذفنا أمواجه وينعدم اختيارنا، كما أنه ليس السير في معاكسة التيار الهادر، بحيث يجرفنا بزخمه، وإنما هو الجر معه أو بموازته بمستوى التفوق والعلو والاستواء.
وعلى المسلم أن يفهم هذه الطبيعة ذات البعد الحضاري لعمله وخطة دعوته، ليتهيأ لها بما يوازيها، نفسيًا: بالصبر، وأداءً: بالعلم، واستعانة: بالمال، ورمزًا: بأطياف الجمال.
ويؤكد هذا أننا نقبل اليوم على حقبة حياتية تمثل بدء الجولة الجديد للحضارة الإسلامية، ولقد كانت بلغت الأوج أولًا، ثم انحسرت تحت ضغط عوامل كثيرة، بيد أن هذه العوامل مهما تعددت لدى أهل التحليل والاستقراء فإن عامل النخر الداخلي يبقى أهمها وأظهرها تأثيرًا، وهو درس يعظ صناع الحياة في جولتهم الجديدة بوجوب المبالغة في الوحدة ونبذ الفتن وأسباب الخلاف.
لم يكن هولاكو بطلًا في ساحة الحرب نقلته بطولته إلى التفوق بمقدار ما كان سباقًا إلى الاستفادة من عوامل الفوضى السياسية والترديات الأخلاقية أواخر الزمن العباسي وكذلك في الجانب المعاكس أيام فتح القسطنطينية: أعان الجدل البيزنطي الفارغ وقلق البلاط الحاكم جيوش محمد الفاتح على الاقتحام.
ومن أصدق ما قاله مالك بن نبي: إن قبل قصة كل استعمار هناك قصة شعب خفيف يقبل الاستخذاء، وهو مثل ضربه رحمه الله يفسر ظواهر حيوية كثيرة، وكما تبدأ تراجعات كل حضارة بالنخر لتخلى مكانها إلى حضارة منافسة.
الولاء ناموس الكون
أول مكونات نظرية صناعة الحياة إنما تشير لها ظاهرة الوحدة والتناسق والتماثل في سلوكيات المخلوقات وعلاقاتها، وهذه الظاهرة الحيوية تتجلى في صور كثيرة، بعضها مكشوف لكل ذي عينين يراه واضحًا في سلوك النبات والحيوان، وبعضها لا ينكشف إلا لذي علم أو ذي آلة ومختبر.
ومن أبرز ما تظهره هذه السلوكيات المتماثلة: (ظاهرة الولاء) ، أو: الانتساب.
أو ما قارب هذه الألفاظ . وخلاصتها: دوران بعض الخلق في فلك خلق آخر مصطفي وأقوى منه، بحيث يكون هذا الأقوى مركزًا للدوران، ومحورًا، أو بؤرة تتجمع حولها مخلوقات أخرى، ويكون مؤهلًا لأسر الأضعف وربطه به ومنعه من التفلت والاختيار.
من ذلك ما عليه بناء الكون الواسع، وبناء الذرة ندرسهما كمثلين غير متناهيين في الكبر والصغر، وعلى طرفين متباعدين ف ظن الظان، بينما يجمعهما نسق واحد في الحقيقة. وإذا رأينا صدق القانون الرابط لأجزائهما ووحدته: سهل علينا من بعد تصور ما بينهما من خلق كثير لا يحصيه إلا خالقه سبحانه، يرتبط على المثال نفسه، ومن هذا الخلق: البشر.