فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 788

إن معنى ذلك أن يؤمن الداعية من أعماق نفسه أن الأرزاق بيد الله، وأن ما بسطه الله على العبد من رزق لم يكن لأحد أن يمنعه، وأن ما أمسكه عليه لم يكن لأحد أن يعطيه... وعليه أن يضع نصب عينية قول الحق _سبحانه_: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } الإسراء30، وأن يردد صباح مساء قوله _جل جلاله_: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ,فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } الذاريات23,22.

وبهذا يتحرّر الداعية من الذل والبخل، والشح بالنفس.. ويتحلى بالعزة والإيثار والإنفاق في سبيل الله... ويهتف بما هتف به الإمام الشافعي حين كان يتغنى بعزة النفس، وطلب المعالي، والاقتناع بكفاف العيش:

أنا إن عشتُ لست أعدم قوتًا ... وإذا مت لست أعدم قبرا

همتي همة الملوك ونفسي ... نفسُ حرٍّ ترى المذلة كفرا

وإذا ما قنعت بالقوت عمري ... فلماذا أخاف زيدًا وعمروا

إن معنى ذلك أن يرضى الداعية بما كتبه الله عليه من ابتلاءات الخوف والجوع والمرض ونقص في الأموال والأنفس والثمرات، وأن كل ما يصيبه إنما يجري بقضاء الله وقدره، وبمشيئته وإرادته... وأنه لا كاشف لكرب إلا هو، ولا واهب للنعمة إلا من اتصف بالغنى والقدرة _سبحانه_.. وعليه أن يضع نصب عينيه قول الحق _سبحانه_: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ , الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ } البقرة156,155، وأن يردّد صباح مساء قوله _جل جلاله_: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ } الأنعام17.

وبهذا يتحرّر الداعية من نزعة الهواجس النفسية والأفكار المخيفة والتحسّب للابتلاء...

ويتحلى برباطة الجأش، والاستسلام لقضاء الله وقدره في كل ما ينوب ويروع، ويبيت وهو مطمئن النفس، مرتاح البال، هادئ الشعور... ويهتف بما هتف به الطغرائي في لاميته حين قال:

حب السلامة يُثني هم صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل

فإن جنحت إليه فاتخذ نفقًا ... في الأرض أو سلمًا في الجو فاعتزل

إن الذين يعتذرون عن واجب الدعوة، وتبليغ رسالة الإسلام بكلمات مقنعة يرضون بها أنفسهم وضمائرهم، ويعتذرون بالضعف والأهل والعيال وقطع الرزق.. ويعتذرون بما يتحسّبون به من أذى في تبليغ الدعوة وإعلان كلمة الحق... نقول لهؤلاء جميعًا:

إن الإسلام بنى حقيقة التوحيد على الإيمان بالله، والرضا بقضائه وقدره، والتسليم لجنابه فيما ينوب ويروع... أمّا أن يخاف الناس على رزقهم ومعاشهم، ويحسبون ألف حساب للأذى والاضطهاد.. فهذا شأن الرعديد الجبان الذي لم يذق في قلبه طعم الإيمان، والذي لم يفهم بعدُ أن الله _سبحانه_ هو المُغني والمُفقر، والمعطي والمانع، والمُعز والمذل، والقاضي والمقدِّر، وهو على كل شيء قدير.

وإليكم يا من تحسبون لقطع الرزق حسابًا، قصة هذه المرأة المؤمنة الصابرة التي تربّت في مدرسة الإيمان، ورتعت في روضة اليقين، ونشأت على حب الله والرسول والإسلام...

إليكم موقفها الرائع، وجوابها المفحم، وذلك حين خرج زوجها للجهاد، وجاءها من يستثير حزنها وأساها ويهيّج عاطفتها وإحساسها... جاءها من يقول لها: أيتها الأم المسكينة، من يقوم على عيالك، ويرعى أولادك، إذا قدّر الله على زوجك الموت، وكتب له الشهادة؟

فما كان منها إلا أن صرختْ في وجهه، وقالت له في ثقة وإيمان واطمئنان: إني أعرف زوجي أكّالًا ولم أعرفه رزّاقًا، فإذا مات الأكّال بقي الرزاق.

وإليكم يا من تتهيّبون الموت، وتخشون المعارك، وتحرصون على الحياة... إليكم ما قاله سيف الله خالد بن الوليد _رضي الله عنه_:"إني حضرت مئة حرب أو زهاءها وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة رمح، أو رمية سهم... أهكذا أموت على فراشي كما يموت العَيْر (الحمار) ؟ فلا نامت أعين الجبناء!!..".

وتعلمون يا شباب، أن من سنن الله في الأنبياء والمصلحين، والدعاة إلى الله.. التعرض لأصناف الابتلاء في تبليغهم، والتصدي لمكائد الأعداء في دعوتهم.. وهذا أمر طبعي حين يقف الحق والباطل وجهًا لوجه، وإليكم ما يقوله الحق _جل جلاله_: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ,وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} العنكبوت3، وقوله: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } آل عمران195.

وإليكم ما يقوله سيد الدعاة، وقائد المجاهدين _صلوات الله وسلامه عليه_ لما اشتد إيذاء قريش على ضعفاء المؤمنين، وقد جاؤوا إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ - وهو متوسد بردة في ظل الكعبة - يقولون: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال لهم النبي _صلى الله عليه وسلم_:"قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" [حديث صحيح، أخرجه البخاري 12/315 (6943) ] .

فما عليكم يا شباب الدعوة إلا أن توطنوا أنفسكم على الصبر، وأن توطدوها على التحمل والثبات، وأن تعمّقوا في نفوسكم عقيدة القضاء والقدر... حتى تَصِلوا في نهاية المطاف إلى نهاية النصر المؤزر، وتحظوا برضوان الله وجنته، وتلقوا الله _عز وجل_ في مجمع من الملائكة والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا... [انظر هذا وما قبله في دور الشباب في حمل رسالة الإسلام لعبد الله علوان، ط دار السلام - بيروت] .

6 -أن يؤصّل الشاب بينه وبين الجماعة العاملين التحاب والتواثق والتعاون:

وذلك بالتناصح والتواصي بينهم بالحق والصبر، إنه لا غنى عن هذه العوامل لنظام أي جماعة في الأرض..

إنه لو تخلّق كل فرد بأعلى ما يكون من الصفات الجميلة والأخلاق المحمودة وليس بينه وبين غيره من العاملين تلكم الصفات المذكورة، فإنهم لا يستطيعون أبدًا أن يقوموا في وجه الباطل ويقارعوا أهله مقارعة الند للند، إن الأمة الإسلامية ما زال ولا يزال منها أفراد متحلون بأعلى الصفات والأخلاق الحسنة؛ إننا لو تحدينا أمم العالم أن تأتي إحداها بمثل هذا؛ فلعلها لا تستطيع الرد على هذا التحدّي.

وإنها لقضية قاصرة إلى حدّ الصلاح الفردي... إنها تلكم التربية الإيمانية...

إن بهلوانًا، مهما كان شجاعًا قويًا في حد ذاته، ويستطيع أن يحمل أكبر كمية من الوزن ويصرع عدة أفراد في المصارعة، فإنه لا يستطيع على جل حال أن يقوم في وجه فرقة عسكرية منظمة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت