فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 788

أما الكون: فقد رأيت مدير مرصد كاليفورنيا يتحدث في برنامج تلفزيوني علمي يشرح ما اكتشفه هو وأصحابه من علماء الفلك من كيفية بناء الكون، وذكر أن صورة النجوم المتناثرة إنما هو مقدار ما تراه العين المجردة أو التلسكوبات الصغيرة، وأما المراصد الضخمة فقد أظهرت في الثلاثينيات من هذا القرن أن الكون يتألف من لبنات مبنية بعضها فوق بعض وتحته وعن يمين ويسار ووراء وأمام، بتكرر لا ينتهي في الجهات الست، وأن اللبنة الواحدة تتكون من نجمة ضخمة قوية تكون بؤرة أو مركزًا تتجمع حولها نجوم كثيرة أضعف منها على شكل مجرة، وأطلقوا على هذه المجموعة اسم ( العنقود النجمي) ، وتقل كثافة النجوم المتجمعة كلما بعدت عن المركز، حتى يكون نوع فراغ، ثم تتلوه عناقيد أخرى مماثلة من جميع الجهات.

قال: وفى أواسط الثمانينيات حين تضاعف قوة الرصد: التقطنا ألفين وستمائة صورة للسماء من جميع الزوايا، فظهر لنا أن كل مجموعة من العناقيد النجمية تتجمع بدورها حول عنقود منها يكون أقوى من الأخريات ويعتبر مركزًا لها، ويكثف توزع العناقيد قرب هذا العنقود القوي، وتقل كثافة التوزع بالابتعاد.

قال: وسمينا ذلك (المجموعة العنقودية) ، وما زال ظننا أن هذه المجاميع العنقودية هي لبنات بناء السماء، وأن الصور قد أظهرت توزعها في جهات الكون على وتيرة واحدة، في نسيج متماثل، في هندسة متناظرة، وما هي بمتناثرة، وما زال الله تعالى يخلق العناقيد في قياس موزون، وما زال الكون يتمدد، ويزيد الله في الخلق ما يشاء.

عناصر عديدة .... والولاء واحد

أما الذرة في الطرف القصي المقابل فإنها مخلوقة على المثال نفسه، وقد بدأت الميكروسكوبات الالكترونية القوية في أواخر الثمانينيات تراها من بعد ما كنا نفهم مكوناتها من آثارها، وقد وضح بما لا يقبل الشك منذ أمد أنها تتكون من نواة قوية ذات شحنة موجبة، وأبسط أنواع الخلق هو غاز الهيدروجين الذي تكون نواته من بروتون واحد، فيأسر له جسيمًا سالبًا يسمى الإلكترون يدور حوله مرتبطًا به. فإذا صار في النواة بروتونان اثنان فإن ذلك يعنى أننا أمام عنصر آخر هو الهيليوم، وأسرت نواته إلكترونين مواليين يدوران في فلك تلك النواة. وهكذا خلق الله جميع العناصر من غازات وفلزات ومعادن، كلما ازدادت النواة بروتونًا: نتج عنصر جديد يختلف في خواصه، ودارت الكترونيات حول النواة مساوية لعدد البروتونات، ويسمى ما في نواة ذرة كل عنصر من عدد هذه المخلوقات: (العدد الذري) ، وقد ميز علماء الفيزياء العدد الذري لكل العناصر، ورتبوه في ترتيبه التصاعدي وفق جدول سموه: (الجدول الدوري للعناصر) ، فالكاربون مثلًا عدده الذري ( 6) ، والأوكسجين ( 8) ، والألمونيوم ( 13) والكالسيوم ( 20 ) ، والحديد (26) ، والنحاس ( 29 ) ، والزنك ( 30 ) ، والفضة ( 47 ) ، واليود ( 53 ) ، والذهب ( 79 ) ، والزئبق ( 80 ) ، حتى أنهم وضعوا كمية من الزئبق في الفرن الذري، وقذفوها بأشعة ذرية تستطيع إخراج برتون واحد من نواة ذرة الزئبق، فكانت ذرات الزئبق تتحول تباعًا إلى ذهب، حتى تم تحويلها كلها وصارت كتلة ذهب أصلها زئبق، وهى معروضة اليوم في أحد المتاحف الأمريكية كبرهان على صدق النظرية الذرية، وهذه المعلومات يعرفها طلاب الأقسام العلمية في المدارس الثانوية، وفيها تفصيل كثير، بل أصبح العلم بها شائعًا من خلال برامج التليفزيون والصحف.

المرجع: صناعة الحياة-محمد أحمد الراشد.

نظرية صناعة الحياة...الجزء الثاني

ذكرنا في الجزء الأول ظاهرة الولاء في الكون وظاهرة الولاء في الذرة

وهنا نقول:

السلوكيات البشرية تماثل السلوك الذري

إن صورتي الذرة واللبنة الكونية تفصحان بوضوح أن (الولاء ) حقيقة حيوية راسخة، ولذلك يمكن إسقاطها على العلاقات البشرية وانتظار تبعية بعض البشر لبعضهم الآخر الذين هم أنوية ومحاور، وهذا ما يظهره التاريخ الإنساني جليًا وتؤكده الحقبة الحالية التي نعيشها، ولذلك يؤذن لدعاة الإسلام أن يطلبوا لأنفسهم المكان المحوري ليحوزوا ولاء الآخرين.

هذا الاستنتاج مهم في تفهيم نظرية صناعة الحياة، لذلك أرى أن تمسك به أيدينا لنقرنه بمعان أخرى سنستنتجها من بعد.

ولكن إذ نحن نمشى لاكتشاف هذه المعاني الأخرى يحسن أن نتوقف عند معان فرعية كامنة في ظاهرة الولاء بين المخلوقات:

(المعنى الأول) : أن الولاء يتكرر، فالقوي الآسر لغيره يستأسر بدوره لآخر أقوى منه، وهذا واضح في أن العنقود النجمي قد انتمى مع أصحاب له إلى عنقود متميز متفوق صار بؤرة للعناقيد، وهذا هو أصل ظاهرة (القيادة) في الحياة البشرية، وأن الحائزين لولاء الناس يحتاجون آخر ينسق بينهم ويمنع التناطح والتظالم.

(المعنى الثاني) : أن ازدياد بروتونات النواة الذرية تجلب الكترونات زائدة بعددها، كما قلنا، ولكن ما لم نقله: أن هذه الالكترونيات لها مستويات وطبقات محدودة تدور فيها، ولذلك تكون قلقة جدًا إذا صار عددها أكثر من تسعين، فتخرج بأدنى سبب، وتتفلت، وكذلك الأمر في الحياة البشرية، إذا ازداد الموالون في عمليات التجميع الواسع: أصبح التفلت أكثر حدوثًا، إذ لا يستطيع العنصر الذي جمعهم حوله أن يمنحهم مدارات خطية كثيرة تشبع رغباتهم وتطلعاتهم، فيسيطر نوع من القلق على العلاقة، ويكون الخروج، وربما ولد ذلك إحباطًا لدى العنصر المحوري تقل به كفاءته، إذ في الذرة يخرج بروتون من النواة في حالات القلق متزامن مع خروج الإلكترون ربما، وهذا أمر يعظنا أن يكون تجميعنا موزونًا. ولنا أن ننظر إلى هذه الظاهرة من زاوية أخرى فنقول: إن العنصر المحوري إذا ازدادت قوته العلمية وملكاته وزاد أتباعه في المرحلة الأولى فإنهم يتحلقون حوله ما دامت لذة الارتباط غامرة، ثم قد لا يواكبونه في اجتهاده المتقدم وفكره الثاقب ولا يفهمونه، فيكون التفلت، وهو أمر يعظ بوجوب أن نسير بسيرة النمط الأوسط، وأن فري العباقرة قد يحصل للمسلم، ولكن لا يستطيع تسويق عبقريته والعثور على متفهم لها.

(المعنى الثالث) : إن عدد الالكترونات المأسورة يتناسب مع قوة النواة وعدد البروتونات فيها، وذلك صانع الحياة يتبعه عدد من الناس يتناسب مع مقدار علمه وقوة ملكاته، كلما زاد ذخيرة: زاد أتباعه.

(المعنى الرابع) : إن الذرة من عنصر تتتحد مع ذرة من عنصر آخر فتتكون جزئية ذات خواص جديدة، وهذه المركبات كثيرة جدًا، وعليها مدار الانتفاع في الأغذية والأدوية، حتى أن الكيمياء العضوية لتوجد سلاسل من المركبات مستحدثة بإضافة ذرة هيدروجين أو كربون إلى التركيبة الأصلية، وتتجدد الخواص مع كل ذرة مضافة أقول: فهذه الظاهرة هي أصل ظاهرة الحلف في الحياة البشرية والحيوانية، حين يكون التحالف مع الشبيه والقرين والقريب، وعلى التخطيط الدعوى أن يستفيد من هذه النزعة.

على الولاء والطاعة جميعًا

وفى أنواع المخلوقات التي تحتل الفجوة الواسعة بين الكون القصي والذرة الدقيقة شواهد فوق الحصر على ظاهرة الولاء والتبعية هذه.

فشمسنا منها، وربطت بها أرضنا والمريخ وزحل وبقية الكواكب السيارة، وهناك ملايين الشموس ذوات التوابع، ثم للأرض قمر تابع ولبعض الكواكب أقمار عديدة.

وأسراب الطيور في هجرتها تتبع قائدًا.

والحياة النظامية في خلايا النحل والنمل مشهورة، وتكتشف الرقابة العلمية لها كل يوم جديدًا مدهشًا من أحوالها وتقاسمها لأدوارها.

وقد ضربنا لك أمثلة، فانح منحى هذا في فهم أسرار الخلق.

دقة في التعامل ... وسرعة في الأداء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت