إن من يريد أن ينهض في غَدِهِ لا بدّ أن يعمل ليومه كأحسن ما يكون العمل نقاءً وانتقاءً ومضاءً. ثم من الذي يضمن غده؟! وإن كان له غد أيأمن معوقات نوازله؟! يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: اعلم أن من له أخوان غائبان وينتظر قدوم أحدهما في غدٍ والآخر بعد سنة فلا يستعدّ للذي يقدم بعد سنة، وإنما يستعدّ للذي ينتظر قدومه غدًا، فالاستعداد نتيجة قرب الانتظار، فمن انتظر مجيء الموت بعد سنة اشتغل بالمدَّة ونسي ما وراء المدَّة، ثم يصبح كل يوم وهو منتظر للسنة بكمالها، ولا يحسب اليوم الذي مضى منها، وذلك يمنعه من المبادرة إلى العمل؛ لأنه يرى لنفسه متَّسعًا دائمًا فيؤخر العمل، ولهذا قال: (( بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنىً مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال؛ فشر غائب ينتظر، أو الساعة؛ فالساعة أدهى وأمرّ ) )رواه الترمذي في سننه، وقال فيما رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس وصححه ووافقه الذهبي: (( اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) ). وكل هذه المعاني في الأحاديث السابقة.
أيها الإخوة، احذروا من التسويف، قال ابن الجوزي في صيد الخاطر:"إيّاك والتسويف، فإنه أكبرُ جنود إبليس".
أيها المسلمون، يخيَّل لبعض الناس أن الأيام ستفرغ له في المستقبل من الشواغل، وتصفو له من المكدرات والعوائق، وأنه سيكون فيها أفرغ منه في الماضي أيام الشباب، ولكن الواقع المشاهد على العكس من هذا، كلما كبرت سِنُّك كبرت مسؤولياتك وزادت علاقاتك وضاقت أوقاتك ونقصت طاقتك، فالوقت في الكبر أضيق، والجسم فيه أضعف، والصحة فيه أقلّ، والنشاط أدنى، والواجبات والشواغل أكثر وأشدّ.
أترجو أن تكون وأنت شيخ…كما قد كنتَ أيام الشباب
لقد كذَبَتك نفسك ليس ثوبٌ…دَريسٌ كالجديد من الثياب
وما شأن هذا الذي يرى التفرّغ من الشواغل في مستقبل الأيام آتٍ إلا كشأن ذلك الرجل الذي قال للإمام ابن سيرين: إني رأيت في منامي أني أسبح في غير ماء وأطير بغير جناح، فما تفسير هذه الرؤيا؟! فقال له: أنت رجل كثير الأماني والأحلام.
واعلموا ـ عباد الله ـ أنَّ المرء مفطور على التأثّر والتأثير، فهو ابن بيئته، وهذا ما ألمحت إليه السنة المطهرة فيما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله: (( إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة ) )أي: أن طبعك يسرق من جلسائك وأنت لا تدري. ومن المعلوم المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة، فما الظنّ بالنفوس البشرية، وقد قيل: سمِّيَ الإنسان إنسانًا لأنه يأنس بما يراه خيرًا أو شرًا. قال ابن مسعود: (اعتبروا الرجل بمن يصاحب، فإنما يصاحب الرجل من هو مثله) .
أيها المسلمون، إن العقول إذا اكتملت اكتمل اغتنام الزمان، وتمّ إدراك شرفه، وإن من عرف قيمة الزمان لا يكون إلا صاحب قصدٍ واعتدال في أموره كلها، فهو يدري أن التوسع في المطاعم سبب النوم، وأن الشّبَع يعمي القلبَ ويُهزل البدن ويضعفه، فتراه لا يتناول منها إلا حاجته التي تقيم صلبه دون إفراط أو تفريط، ودون تنوع واشتراط يؤدّي إلى أن يكونَ ذلك أكبر مسعاه وغاية مناه ومنتهى أمله. والحريص على الزمن أيضًا لا يعرف فضولًا في زيارة الآخرين، ولا تافهًا من القول ممتدًا، فهو حريص على زمن غيره كحرصه على زمن نفسه، فتراه في زيارته لا يتعدّى مقصدها، وتسمعه في قوله فلا يتجاوَز النافع الخيِّر المحتاج له. فانظر حالك دائمًا أيها المؤمن، وراقب نفسك، وإياك أن تستقلّ خيرًا أو شرًا.
لا تحقرن صغيرة…إن الجبال من الحصى
وكما أن العبد يجب عليه الحذر من تراكم الصغائر فإنه كذلك ينبغي له عدم التهاون بالأعمال الصالحة ولو كانت يسيرة وقليلة، فلا بدّ من العزيمة الماضية والهمة العالية ومتابعة العمل ودوام العطاء ورصفُ المسألة بجوار المسألة وتقييد الخاطرة تلو الخاطرة ووضع النظير مع النظير وهكذا، مع محاسبة للنفس على دقائق العمر وثوانيه، متوَّجًا ذلك كله بصدق النية وصدق التوكل على الله سبحانهاليومَ شيءٌ وغدًا مثلهُ…مِنْ نُخب العلم التي تُلتَقَط
يُحصِّل الْمرءُ بها حِكْمةً…وإنما السيل اجتماعُ النقط
وفي الحديث الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن رسول الله خيرُ بيان وأصدق كلام، يقول: (( عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دُووِم عليه وإن قلّ ) )رواه البخاري. وتحرّي وتلمُّس الأوقات الفاضِلة هو من الحكمة، ومن يؤتَى الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا.
والمولى سبحانه وتعالى اختصَّ بعض الأزمنة بخواصّ لم يختص بها غيرها، ففضلها على سائرها، عن كعب الأحبار قال:"إن الله تبارك وتعالى اختار ساعات الليل والنهار فجعل منهنّ الصلوات المكتوبة، واختار الأيام فجعل منها الجمعة، واختار منها الشهور فجعل منها رمضان، واختار الليالي فجعل منها ليلة القدر، واختار البقاع فجعل منها المساجد". فتعرضوا ـ عباد الله ـ لنفحات ربّكم جل وعلا، فإنّ له في دهرنا نفحات، والموفّق من تعرّض لها.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خِلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وحجة على الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: أيها المسلمون، فيقول الله تعالى في محكم التنزيل: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [سورة العصر] .
أقسم الله سبحانه بالعصر الذي هو الليل والنهار ومحلُّ أفعال العباد وأعمالهم أنّ كل إنسان خاسر وفاقد لأرباح كثيرة. وكلمة (العصر) مصدر عَصَرتُ، وإذا عُصِرَ الشيء خرج منه عَصير، وكأنّ الإنسان ليس فقط مطالبًا باغتنام الليل والنهار على التساهل والتراخي، بل مطالب بعَصرها والانتفاع بكلّ ما ينتج من العصر، وهو استثمار كلّ دقيقة فيها، وإلا فإنه سيخسره، ومع أنّ الخسارة تتفاوت فأعظمها خسارة الكافر، حيث يخسر خسارةً مطلقة بفَقده الجنة واستحقاقه الخلود في النار، إلا أنّ الجميع أيضًا يخسَرون أشياءً؛ المؤمن والكافر، وكلّما كان العصر أقوى استخرجت عصيرًا أكثر، وكلما قصرت وسوّفت وأجّلت وفرّطت فاتك من العصير بقدره؛ لأنّ الخسارة قد تكون في بعض الوجوه دون بعض، لكن الجميع خاسرون، باستثناء من استثنى الله تعالى في هذه السورة العظيمة، وهم من اتّصفوا بأربع صفات:
أولها: الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون عِلم، فهو فرع عنه لا يتمّ إلا به.
ثانيها: العمل الصالح، وهذا شامل لأعمال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلّقة بحق الله وحق عباده، الواجبة والمستحبة. وقول الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7، 8] هو داخل في هذا المعنى؛ فكل خير تعمله ربح، وكل شر تأتيه أو خير تقصر فيه فهو مسجل عليك خسارة، فأكثِر إن شئت أو أقلل، واعمل ما شئت فإنك مجزىٌ به.