فهرس الكتاب

الصفحة 410 من 788

المبحث الأول: مفهوم الزمن وأهميته

أولا: مفهوم الزمن

الزمن في اللغة: اسم لقليل الوقت وكثيره. يقال: زمان وزمن، والجمع أزمان وأزمنة. ويقال: أزمن الشيء أي طال عليه الزمن، وأزمن بالمكان أقام به زمانا. ويقولون: لقيته ذات الزمين ؛ فيراد بذلك تراخي المدة . والزمن والزمان لفظتان تحملان نفس المعنى، ولا فارق بينهما فهما تنتميان إلى مادة لغوية واحدة.

أما مفهوم الزمن في اصطلاح علماء المسلمين فهو مرتبط بمعناه اللغوي، فهو يعني: ساعات الليل والنهار، ويشمل ذلك الطويل من المدة والقصير منها . وبذلك عرفه الزركشي إذ يقول:"إن الزمان الحقيقي هو مرور الليل والنهار، أو مقدار حركة الفلك . ولا يخفى ما بين هذا المعنى والمعنى اللغوي من ارتباط وثيق."

وبالنظر في القرآن الكريم، فإننا نجد أنه لم يستخدم مصطلح"الزمن"وإنما وردت فيه ألفاظ دالة على الزمن، ومن ذلك:

-الوقت. قال تعالى: { قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ } (1) { إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } (2) .

-الحين. قال تعالى: { أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } (3) .

(1) سورة الحجر الآية 37

(2) سورة الحجر الآية 38

(3) سورة هود الآية 5

-الدهر. قال تعالى: { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } (1) .

أما في السنة النبوية، فإننا نجد هذا المصطلح قد ورد في أكثر من موضع، ومن ذلك:

-قوله صلى الله عليه وسلم: « إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب » (2) .

-وقوله صلى الله عليه وسلم: « يتقارب الزمان وينقص العمل، ويلقى الشح، ويكثر الهرج، قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل، القتل » (3) .

هذا إضافة إلى ورود المفردات الزمنية الأخرى كالدهر

(1) سورة الإنسان الآية 1

(2) رواه مسلم. انظر: مسلم: صحيح مسلم، كتاب الرؤيا، حديث رقم 2263، ج 4، ص 1415 .

(3) رواه البخاري. انظر: الصحيح مع الفتح، كتاب الأدب، باب رقم 39، حديث رقم 6037، ج 12، ص 72 .

والوقت ، ونحوها.

ولا بد من الإشارة هنا إلى وجود ارتباط وثيق بين مفهوم الزمن وبين دلالته الفلسفية، ولذلك فإن قواميس اللغة، وكتب التاريخ والتفسير عندما تتحدث عن مفهوم الزمن، تتخذ مسارا فلسفيا مقصودا، بحيث يصعب بالتالي إدراك المعنى الأصلي للزمن بعيدا عن المذاهب الفلسفية. ونظرا لهذا الارتباط، فإني سأعرج - باختصار- على مفهوم الزمن في الفلسفة . فأفلاطون - على سبيل المثال- يرى أن الزمن حادث ومخلوق (1) . ويدل على أن هذا هو مذهبه في الزمن، قول أرسطو: إن الأقدمين جميعا ما عدا أفلاطون اعتقدوا أن الزمان قديم، أما هو، فقد جعله حادثا، إذ قال: إنه وجد مع السماء، وإن السماء حادثة (2) .

أما أرسطو فهو يرى أن الزمن فعل واحد، وشيء متصل، بسبب اتصال الحركة، وقد تصوره متصلا وعد الوقفات فيه وهما ؛

(1) العاتي، إبراهيم: الزمان في الفكر الإسلامي، ص 76. مترجم عن كتاب ''طيماوس'' لأفلاطون .

(2) انظر: أكرم، يوسف تاريخ الفلسفة اليونانية، ص 87 .

لأن الحركة والزمان لا بداية لهما ولا نهاية (1) .

وإذا ما انتقلنا إلى الفلسفة الإسلامية، نجد أن بعض الفلاسفة المسلمين قد تأثروا بالفلسفة اليونانية، بينما حافظ الآخرون على هويتهم الإسلامية. فأبو العلاء المعري من الفريق الأول، يقول بأن الزمن أزلي أبدي، أي لا بداية لوجوده ولا نهاية، ونجد ذلك ماثلا في أشعاره، فهو يقول:

نزول كما زال أجدادنا ... ويبقى الزمان على ما نرى

نهار يضيء وليل يجيء ... ونجم يغور ونجم يرى (2)

بينما رفض الفريق الثاني من الفلاسفة المسلمين الانجرار وراء هذه الأقاويل، ووافقوا جمهور المسلمين في القول بحدوث الزمن ومخلوقيته، كما هو الأمر عند الغزالي والكندي وغيرهما (3) .

وعند إلقاء نظرة على أقوال الفلاسفة بشكل عام يتضح أن نظرتهم إلى الزمن هي نظرة عقلية تجريدية، خاضعة إلى نجاح العقل وفشله، وإلى إبداعه وتقصيره، مما جعلهم يدخلون في متاهات عديدة، ويضطربون في أقوالهم على غير هدى، فيصيبون حينا ويخطئون أحيانا.

(1) انظر: الألوسي، حسام الدين: ''الزمان في الفكر الديني والفلسفي القديم'' مجلة عالم الفكر، ص 476.

(2) المعري، أبو العلاء: اللزوميات، ص 79 .

(3) انظر: الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص 56 . الطباع، عمر: الكندي فيلسوف العرب والإسلام، ص 193 .

ثانيا: قيمة الزمن

الزمن هو أنفس وأثمن ما يملك الإنسان، فهو الوعاء الحقيقي لكل عمل وإنتاج، وبقدر إفادة الإنسان من هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه، بقدر ما يعود ذلك عليه وعلى مجتمعه بالنفع والخير، سواء أكان ذلك في الدنيا أم في الآخرة ؛ ولذلك ينبغي على الإنسان أن يعرف شرف زمنه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة وطاعة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. وما عمر الإنسان في حقيقته إلا مجموعة من الأيام، وكل يوم يمضي من هذه الأيام، وكل لحظة تمر لا يمكن استعادتها أو تعويضها. وفي ذلك يقول الحسن البصري رحمه الله:"يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك" (1) . ويقول:"ما من يوم ينشق فجره، إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة" (2) . وما أجمل قول الشاعر:

دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثواني (3)

(1) انظر الخبر في: الأصفهاني: حلية الأولياء ج 2، ص 148 .

(2) انظر: المرجع السابق، ج 2، ص 147 .

(3) البيت لأحمد شوقي، قاله في رثاء مصطفى كامل. انظر: شوقي، أحمد: الموسوعة الشرقية، ج 5، ص 356 .

ومع أن الزمن على هذه الدرجة من الأهمية، إلا أنه ينقضي بسرعة، ويسهل ضياعه، فهو يمر مر السحاب، ويجري جري الريح، سواء أكان زمن مسرة وفرح، أم زمن اكتئاب وترح، وإن كانت أيام السرور تمر أسرع، وأيام الهموم تسير ببطء وتثاقل، لا في الحقيقة ولكن في شعور صاحبها. وفي ذلك يقول الشاعر:

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه ... وأراه أسهل ما عليك يضيع

يقول ابن القيم في الحديث عن منزلة الغيرة:"ومنها (1) الغيرة على وقت فات، فإن الوقت أبي الجانب، بطيء الرجوع، فالوقت أعز شيء على العابد، يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك (2) ، فإذا فاته الوقت لا يمكن استدراكه البتة؛ لأن الوقت الثاني قد استحق واجبه الخاص... فالوقت منقض بذاته، منصرم بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته، وعظم فواته، واشتدت حسراته، فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفوت مقدار ما أضاع، فطلب الرجعى، فحيل بينه وبن الاسترجاع، وطلب تناول الفائت، وكيف يرد الأمس في اليوم الجديد (3) ."

(1) أي من درجات الغيرة .

(2) أي بدون عبادة .

(3) ابن القيم: مدارج السالكين، ج 2، ص 840، 841 .

وقد كان السلف الصالح، ومن سار على نهجهم من الخلف، أحرص الناس على كسب الزمن، والإفادة منه في الخير، فقد كانوا ينافسون الزمان، يسابقون الساعات، ويبادرون اللحظات، حرصا منهم على الزمن، وعلى ألا يذهب منهم هدرا. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، نذكر فيما يلي بعضا منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت