تلاوة القرآن الكريم مأمور بها عبادة الله، إذ هو أفضل كلام يتعبد به في الصلاة وغيرها، لأنه كلام الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: (( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين ) ) [النمل: 91ـ92] .
وتلاوته شاملة لقراءته مطلقًا، وإن كان السياق هنا يدل على قراءته على الناس لتبليغهم وإنذارهم [انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/378) ] .
وإذا كانت تلاوة القرآن وسيلة الدعوة إلى الله فإن كونها وسيلة لتزكية نفس القارئ من باب أولى [انظر في ظلال القرآن (20/2670) ] .
ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة قارئ القرآن الحاذق في حفظه وقراءته، كما بين الثواب الذي يجزله الله لقارئه الذي يشق عليه، كما في حديث قالت: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه(أي في تلاوته لضعف حفظه أو قراءته) وهو عليه شاق له أجران" [البخاري: رقم 4937 فتح الباري (8/691) ومسلم (1/459) ] . وفي رواية"والذي يقرأ وهو يشتد عليه أجران").
ويكفي قارئ القرآن فضلًا استماع الله لصوته الحسن بكلامه تعالى، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن) (يريد يجهر به) [البخاري رقم 5023 ، فتح الباري (9/68) ] .
وتأمل الفرق البعيد بين قارئ القرآن (لا سيما العامل به) وغيره في هذا المثال النبوي الذي تضمنه حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر) [البخاري رقم 5427 ، فتح الباري (9/555) ومسلم (1/549) ] .
وعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: (تعلموا هذا القرآن فإنكم تؤجرون بتلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: بألم، ولكن بألف، ولام، وميم، بكل حرف عشر حسنات…) [الدارمي (2/308) قال المحشي: الحديث هنا موقوف على عبد الله بن مسعود وقد روى نحوه الترمذي مرفوعًا، وقال: حسن صحيح غريب، وهو قطعة من حديث طويل، رواه الحاكم عن إبراهيم البري عن أبي الأحوص عنه مرفوعًا، وقال: تفرد به صالح بن عمر عنه، وهو صحيح] .
ولقد أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الفضل العظيم لقراءة كتاب الله، فبالغ بعضهم في قراءته ليستكثر من الحسنات، وكان يقرأه كله في ليلة واحدة ـ فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، لما فيه من تفويت بعض حقوق نفسه وحقوق أهله، وما ينبني عليه من أثر العجز عنه والاستمرار عليه، وسبق أن أحب العمل أدومه وإن قلَّ ـ فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأه في شهر فقال: إنه يطيق أكثر من ذلك، فأمره أن يقرأه في سبع ونهاه عن أن يزيد عليها.
عن عبد الله بن عمرو عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقرأ القرآن في شهر) قلت: إني أجد قوة… حتى قال: (اقرأه في سبع ولا تزد على ذلك) [البخاري رقم 5054، فتح الباري (9/95) ومسلم (3/814) ] .
وفي رواية (قال: وكيف تختم؟ قلت: كل ليلة) الحديث [البخاري (9/94) ] .
ولا بد للقارئ أن يتدبر كلام الله ويتفهم مراميه، ليحقق الحكمة من إنزاله، كما قال تعالى: (( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته، وليتذكر أولوا الألباب ) ) [سورة ص: 29] .
و بتدبر المؤمن كتاب الله ينجو من مشابهة أولئك المنافقين الذين أنكر الله عليهم عدم تدبرهم الذي كان من أثره تغييرهم أوامر الله ورسوله، التي تعلمونها منه صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا ) ) [النساء: 82] .
وقال تعالى: (( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها ) ) [محمد: 24] .
وقال تعالى: (( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) ) [الأعراف: 204] .
وبمداومة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قراءة القرآن وتدبره والإنصات له وتطبيقه، وصلوا إلى تلك القمة العالية في التربية والتزكية.
قال محمد رشيد رضا ـ رحمه الله ـ: فتربيته الصحابة التي غيرت كل ما كان بأنفسهم من مفاسد الجاهلية، وزكتها تلك التزكية التي أشرنا إليها آنفًا وأحدثت أعظم ثورة روحية اجتماعية في التاريخ، إنما كانت بكثرة تلاوة القرآن في الصلاة وتدبره في غير الصلاة (وفي الصلاة أيضًا من باب أولى) وربما كان أحدهم يقوم الليل بآية واحدة يكررها متدبرًا لها، وكانوا يقرؤونه في كل حال حتى مستلقين ومضطجعين كما وصفهم الله بقوله: (( الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ) ) [آل عمران:191] . وأعظم ذكر الله تلاوة كتابه المشتمل على ذكر أسمائه الحسنى وصفاته المقدسة وأحكامه وحكمه وسننه في خلقه وأفعاله في تدبير ملكه كما تقدم) [الوحي المحمدي ص163] .
عرض الإنسان نفسه على القرآن
ليعلم ما يرضى الله منه فيعمله، وما يغضبه فيتجنبه:
وعندما يقرأ المؤمن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى لهداية البشرية في هذه الحياة إلى صراطه المستقيم، كما قال تعالى: (( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ) [الإسراء: 19] ، عندما يقرأ المؤمن هذا القرآن، وهو يذكر صفات المؤمنين ويمدحها ويثني عليها ويدعو للاتصاف بها، وكذلك يذكر صفات أعداء الله من الكافرين والمنافقين ويذمها ويحذر منها، فإنه بذلك يعلم أهو من عباد الله المؤمنين؟ أهو سائر في طريقهم، أم يزوغ عنه هنا وهناك؟ وبذلك يستطيع أن يقوم نفسه في إيمانه وسلوكه ومعاملاته، وفي كل شأن من شؤون حياته.
قال شيخنا العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: (وهذه الآية -يعني آية الإسراء التي سبق ذكرها قريبًا- الكريمة أجمل الله جلّ وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة) . [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (3/409) ] .
ألا ترى ماذا قالت عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قالت للسائل: ألست تقرأ القرآن؟ قال: قلت: بلى، قالت: (فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن) [صحيح مسلم (1/513) وأورد ذلك بن كثير في تفسير قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) في أحاديث متعددة] .
وقال ابن كثير رحمه الله: ومعنى هذا أنه عليه الصلاة والسلام صار امتثال القرآن أمرًا ونهيًا سجية له وخلقًا تطبعه وترك طبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فعله ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خلق جميل) [تفسير القرآن العظيم (4/402) ] .