وقال تعالى: (( من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ) [النحل: 97] .
وفي هذه الآية وعد من الله تعالى لعبده المؤمن الذي يعمل الصالحات ـ وهي شاملة لكل عمل يرضي الله تعالى ـ بأن يحييه حياة طيبة، وهي حياة العز والاطمئنان والطاعة والرضا والخير والنصر على الأعداء وغير ذلك من الحياة الموصوفة بأنها طيبة.
قال سيد قطب رحمه الله: (وأن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض، لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال، فقد تكون به وقد لا يكون معها، وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية فيها الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه، وفيها الصحة والهدوء والرضا والبركة وسكن البيوت ومودات القلوب، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة، وليس المال إلا عنصرًا واحدًا يكفي منه القليل حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة) [في ظلال القرآن (14/2193) ] .
يظهر من هذه الآية الكريمة أن ثمار العمل الصالح. ومنه التطوع ـ تعود إلى صاحبها في الدنيا والآخرة، ومن أعظم ما تكون به الحياة طيبة بالنسبة للمؤمن أن ترتفع راية الإسلام ويعز أهله، وتهوي راية الكفر ويذل أهله، ولا يكون ذلك إلا لعباد الله الصالحين المحافظين على الأعمال الصالحة، كما أن من أفضل الأجر عند الله أجر الشهيد في سبيل الله الذي يتمنى أن يعود إلى الدنيا ليقتل مرات لما رآه من الثواب الذي اختصه الله به، وقد مضى.
ولقد جعل الله تعالى التقرب إليه بالنوافل سببًا في حبه لعبده المتقرب إليه، الحب الذي يصل معه العبد إلى درجة التوفيق والتسديد لقلبه وجوارحه، ولا يفكر إلا في طاعة الله ولا يتحرك إلا فيما يرضيه عز وجل، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) [البخاري 6502 فتح الباري (11/340) ] .
وإن الذي يحافظ على نوافل الطاعات، لا بد أن يكون قد حافظ على الفرائض من باب أولى، لما يعلم من العقاب على تركها، بخلاف النوافل فإنها يثاب عليها ولا يعاقب عليها. وقد مضى في نفس الحديث الآنف الذكر قوله تعالى: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه) .
لذلك كانت نوافل الطاعات بمنزلة الحائط الذي يبنى خارج الدار لسترها وصد اللصوص المقتحمين، والفرائض بمنزلة الدار، والذي بنى الحائط من أجل الدار لا يفرط في الدار وصيانتها وإحكام بنائها.
و الذي يحافظ على النوافل يصد عن نفسه الشيطان من أن يوسوس له بترك الفرائض أو النقص منها، لأنه إذا كان ملازمًا للنافلة -التي لا عقاب عليه - لأجل ثوابها لا بد أن يلازم الفرائض ملازمة أشد، لما يخافه من العقاب على تركها أو نقصها.
ولكنه مع ذلك الحرص وتلك الملازمة بشر، قد تحصل له غفلة فيفوته إتمام بعض الفرائض، فإذا فاته شيء من ذلك فإن ربه سبحانه يتفضل فيجبر له ذلك النقص بما قدمه في حياته من تطوع.
قال ابن حجر رحمه الله:"وأيضًا فإن من جملة ما شرعت له النوافل جبر الفرائض كما صح في الحديث الذي أخرجه مسلم:"انظروا هل لعبدي من تطوع فتكمل به فريضته"الحديث بمعناه، فتبين أن المراد من التقرب بالنوافل أن تقع ممن أدى الفرائض لا من أخل بها) [فتح الباري (11/343) ] ."
ونص الحديث الذي أشار إليه الحافظ رحمه الله ـ وهو من حديث أبي هريرة: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضة قال الرب: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقصت من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك) [أبو داود (1/540) والترمذي رقم الحديث 411، تحفة الأحوذي (2/462) صحيح الجامع الصغير للألباني (2/184)
هذا ولم يهتد الكاتب إلى الحديث في صحيح مسلم الذي عزاه إليه الحافظ رحمه الله] .
والإكثار من الأعمال الصالحة ـ النافلة ـ مطلوب، ولكنه يجمل بمن أراد دوام القرب من ربه أن يداوم على طاعته، ولا ينبغي أن يأتي بعمل صالح يرضي به الله تعالى ثم ينقطع عنه، لا سيما إذا كان من النوافل المؤكدة والمرغب فيها.
لذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته أن يعملوا ما هو في وسعهم حتى يداوموا عليه، ولا يملوا فينقطعوا عن ذلك، وهذا الانقطاع يحرم المؤمن من الاتصال الدائم بالله.
ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصير وكان يحجره من الليل (أي يتخذه حجرة) فيصلي فيه فجعل الناس يصلون بصلاته، ويبسطه بالنهار فثابوا ذات ليلة فقال: (يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل) (وكان آل محمد إذا عملوا عملًا أثبتوه) [صحيح مسلم (1/540) ] .
قال النووي رحمه الله: (وفيه الحث على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع، وإنما كان القليل الدائم خيرًا من الكثير المنقطع، لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق سبحانه وتعالى، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة) [شرح النووي على مسلم (6/71) ] .
هذه هي ثمار المحافظة على نوافل الطاعات: دوام الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق وزيادة الأجور ومضاعفتها، والذي يجاهد نفسه على ذلك جديرٌ أن يجاهد في سبيل الله.
الوجه الثاني: ذكر بعض النوافل بأعيانها وبيان أثرها في تزكية النفس وتطهيرها:
طرق الخير التي يثاب المسلم على فعلها لا تحصى كثيرة. وقد عني بها علماء المسلمين في كتبهم مستدلين عليها من الكتاب والسنة. وقد سبق الكلام على حث الكتاب والسنة على فعل الخير عمومًا، وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله في أول باب:"بيان كثرة طرق الخير"في كتابه رياض الصالحين هذه الآيات: (( وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ) ) [البقرة: 215] ، (( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) ) [البقرة: 197] . (( من عمل صالحًا فلنفسه ) ) [الجاثية: 15] . ثم ذكر أحاديث شاملة لكثير من أفراد الطاعات [رياض الصالحين ص68] .
وهي تعتبر أمثلة، وإلا فإن النصوص في ذلك لا تحصى كما سبق، وبمراجعة أبواب رياض الصالحين ـ وحده يظهر للقارئ تلك الكثرة فكيف وهو ـ أي رياض الصالحين قد اختصرت فيه نصوص قليلة من القرآن الكريم وكذلك أحاديث من كتب قليلة من كتب الحديث.
لذلك لا يتحمل هذا البحث التنصيص على كثير من طرق الخير التي تزكي المسلم وتصله بربه، فيكون بذلك أهلًا للانخراط في سلك المجاهدين في سبيله، ولكن لا بد من التنصيص على بعض تلك الطاعات وحكم غير ما لم يذكر حكم ما ذكر، وإن تفاوتت الطاعات في الثواب بحسب الوقت والحاجة وما أشبه ذلك.
أثر قراءة القرآن بتدبر وسماعه في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]