الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاعدة من أهم قواعد الإسلام التي لا قوام لأمته إلا بها، وهو عنوان فلاح المسلمين وفوزهم ومنطلق أهليتهم لقيادة البشرية، فإذا حققوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أنفسهم كانوا أهلًا لتحقيقه في سواهم من أمم الكفر والضلال، وإلا كانوا أهلًا لغضب الله وسخطه ولعنته، ومن كان معرضًا لسخط الله وعظيم عقابه، كيف يكون جديرًا بالكون في صف المجاهدين في سبيل الله.
فالمؤمنون لا ينجيهم من الخسران أن يقوم كل واحد منهم بما كلفه الله إياه، دون أن يتواصى مع غيره من إخوانه المؤمنين بالحق والصبر، قال تعالى: (( والعصر إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين أمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ) [العصر] .
وكيف يقف الصف المخلخل الذي يبتعد أفراده عن الله بترك طاعته والولوغ في مستنقع معاصيه، ولا يوجد فيه من يغضب لله فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟
كيف يقف هؤلاء في هذا الصف في وجه عدوهم مجاهدين في سبيل ربهم، ولم تتوافر فيهم صفات عباد الله المؤمنين الذين قال تعالى عنهم:: (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) ) [التوبة: 71] .
وهم الذين قصر الله الفلاح عليهم، كما قال: (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون ) ) [آل عمران: 104] .
وأوضح سبحانه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان به هي موجبات قيادة هذه الأمة لغيرها من الأمم قال تعالى: (( كنتم خير أمة أخرجت للناس؛ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله.. ) ) [آل عمران: 110] .
يظهر من هذا أن النصر على الأعداء لا يكون إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الخيرية المذكورة لا تتم بدون موجباتها المذكورة بعدها.
وقد لعن الله بني إسرائيل الذين لم يتناهوا فيما بينهم عن المنكر، وإذا عملت هذه الأمة مثل عمل بني إسرائيل فحكمها حكم بني إسرائيل، قال تعالى: (( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) ) [المائدة: 78 ـ79]
ومما يدل على ذلك ما أورده ابن كثير في تفسير الآية، قال: (وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا شريح ـ وساق سنده إلى أن قال ـ: عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لما وقعت بنوا إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم") قال يزيد وأحسبه قال: (في أسواقهم وآكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم) . (( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) )وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا فجلس، فقال: (لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا) [تفسير القرآن العظيم ( 2/82 ـ 83 ) ] .
والأمة التي يستشري فيها الشر والفساد مثل السفينة التي ألقي بها في بحر لجي لتمخر عبابه، وهي مخرقة تقذف أمواج البحر بمياهه بداخلها من تلك الخروق، فهل يقدر ربانها على قيادتها إلى شاطئ الأمان، وهل يستحق أهلها الذي ألقوها في ذلك البحر اللجي وهم يعلمون ما بها من خروق أن ينالوا النجاة، كيف الأمر لو كانت سليمة قادرة على مصارعة الأمواج فأرادت فئة من ركابها أن تخرقها وهي تمخر عباب البحر وسكت عنهم بقية الركاب؟
والجواب في الحديث الصحيح الذي رواه النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا) [صحيح البخاري رقم الحديث 2493، فتح الباري (5/132) ] . قال الحافظ بن حجر: (وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [الفتح (5/296) ] ، فأثر القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفوز والقيادة للبشرية وأثر تركه الهلاك والخسران والذل.
أثر المحافظة على نوافل الطاعات: في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
ما سبق من الكلام يتعلق بالمحافظة على الفرائض وأثر ذلك في تربيته النفس وتزكيتها وتطهيرها، وقد ضربت لذلك ستة أمثلة هي: الصلوات الخمس، وصيام رمضان والزكاة، والحج وصلة الرحم، (وهذه الخمسة من فروض العين) ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو من فروض الكفاية.
وآن الأوان لذكر المحافظة على نوافل الطاعات وأثرها في تزكية النفس وتطهيرها، وتأهيل صاحبها للبذل والتضحية بالنفس والمال والولد والجاه والمنصب، في سبيل الله تعالى.
والكلام في النوافل من وجهين:
الوجه الأول: النوافل العامة ، وكونها مطلوبة المحافظة عليها، وأثرها كذلك في التزكية والتطهير.
الوجه الثاني: ذكر بعض النوافل بعينها وبيان أثرها.
الوجه الأول: الحث على المحافظة على النوافل عمومًا وبيان أثرها في تزكية النفس وتطهيرها.
حث الله سبحانه وتعالى في كتابه عباده المؤمنين على فعل الخير، والعمل الصالح والتنافس في ذلك، ورغب في ذلك كله بوعده مَن عمله بالثواب الجزيل.
قال تعالى: (( و أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله، إن الله بما تعملون بصير ) ) [البقرة: 110] .
فقوله تعالى: (( وما تقدموا لأنفسكم من خير ) )الآية شامل لكل عمل صالح يقدمه العبد طاعة لله، واجبًا كان أم تطوعًا.
قال ابن جرير رحمه الله: (فإنه يعني جل ثناؤه بذلك ومهما تعملوا من عمل صالح في أيام حياتكم فتقدموه قبل وفاتكم ذخرًا لأنفسكم في معادكم، تجدوا ثوابه عند ربكم يوم القيامة فيجازيكم به. والخير هو العمل الصالح الذي يرضاه الله) [جامع البيان عن تأويل القرآن (1/491) ] .
وقال تعالى: (( ولكل وجهة هو موليها، فاستبقوا الخيرات.. ) ) [البقرة: 148] .
وهو كذلك أمر بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة والتنافس فيها، كما قال ابن جرير: (فبادروا بالأعمال الصالحة شكرًا لربكم، وتزودوا في دنياكم لأخراكم) [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (2/29) ] .
وقال تعالى: (( ليسوا سواء، من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات، وأولئك من الصالحين، وما يفعلوا من خير فلن يكفروه، والله عليم بالمتقين) [آل عمران: 113ـ 115] .
والشاهد من هذه الآيات ـ هنا ـ قوله: (( ويسارعون في الخيرات ) )وقوله: (( وما يفعلوا من خير ) )فإن الخيرات والخير المذكورين فيها شاملان لكل عمل صالح يتسابق فيه عباد الله الصالحون.
قال ابن جرير: (( ويسارعون في الخيرات ) )يقول: ويبتدرون فعل الخيرات خشية أن يفوتهم ذلك قبل معالجتهم مناياهم-إلى أن قال في قوله تعالى-: (( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) ): وما تفعل هذه الأمة من خير وتعمل من عمل لله فيه رضا، فلن يكفرهم الله ذلك، يعني بذلك فلن يبطل الله ثواب عملهم ذلك، ولا يدعهم بغير جزاء منه لهم عليه ولكنه يجزل لهم الثواب عليه ويسني لهم الكرامة والجزاء) [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/56ـ57) ] .