فهرس الكتاب

الصفحة 598 من 788

(( إن الله يدافع عن الذين ءامنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور(38) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز )) (40)

وإنه ليبدو لي من ذكر هذه الآيات الأخيرة بعد آيات الحج، أن من أهم آثار الحج في حياة المسلمين، أن يقاتلوا من يقاتلهم من الأعداء، وأن يحموا بيوت الله من عدوان من أراد إفسادها ماديا أو معنويا، لأن في مناسك الحج تدريبا على التعب والصبر والنظام والانضباط، وبذل المال، وشد الرحال، وأهم من ذلك كله التزكية الإيمانية والطاعة لله والإخلاص له، وفي ذلك كله شبه بمشاق الجهاد ونظامه ....

هل تذكرتم أن الجبن عن دخول الأرض المقدسة لإخراج العدو منها، هو من صفات اليهود، وليس من صفات المسلمين؟!

فقد حكى الله موقف اليهود عندما أمرهم موسى عليه السلام بدخول الأرض المقدسة في هذه الآيات، وهي واضحة في الدلالة على جبنهم:

(( وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين(20) ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21) قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون )) [المائدة:22]

هاهو الأقصى الحزين يذكرنا، إن لم نكن قد تذكرنا. فهل من سامع للتذكير، وهل من مجيب لمستغيث؟؟؟!!!

اللهم امنح حجاج بيتك الحرام والمسلمين في الأرض قائدا يؤمهم في المسجد الحرام، ومسجد نبيك الكريم، ثم يقودهم تحت رايتك لتحرير بيتك الثالث:"المسجد الأقصى"من أعدائك اليهود، الذين احتلوه وأحرقوه ودنسوه، وداسوا كرامة أهله، ليؤمهم فيه، كما أمهم في صنويه: البيت الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. يارب العالمين، يا أرحم الراحمين.

لقد فتح القدس في صدر الإسلام عمر، وحررها من الصليبيين صلاح الدين، فهل سيجد من قادة المسلمين السياسيين والعسكريين شبيها لهما أو لأحدهما؟

لعل الله يأتي باليوم الذي ينطلق فيه حجاج بيت الله الحرام من أول المساجد الثلاثة بعد أداء مناسكهم، لتحرير بيته الثالث"المسجد الأقصى"ليتحقيق هذا الترتيب الرباني في كتابه في واقع المسلمين اللهم آمين.

وبهذا يظهر أثر الحج في تزكية النفس وتطهيرها وتضحيتها وأهليتها لتكون مجاهدة في سبيل الله.

أثر صلة الرحم في جهاد النفس

[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]

المقصود بالرحم ـ هنا ـ القرابة، والمقصود بالصلة البر والإحسان، أي البر بذوي القربى والإحسان إليهم، وهذه الصلة تتفاوت درجات وجوبها بحسب درجة ذي القربى قربًا وبعدًا، والصلة قد تكون صلة بتعليم ذوي القربى أمور دينهم التي يجهلونها ـ لا سيما الواجبات العينية ـ وقد تكون بالإحسان المادي إليهم أو ما شابه ذلك.

والإنسان الذي يقطع رحمه ولا يصلها، عاصٍ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، مرتكب لما حرم الله سبحانه وتعالى عليه، قاطع ما أمر الله به أن يوصل، وقد ذمه الله تعالى ذمًا شديدًا، وأوجب عليه لعنته، وجعله معرضًا لطمس بصيرته، كما قال تعالى: (( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) ) [محمد: 22 ـ23] .

وقد أخذت الرحم وعدًا من الله تعالى ـ والله لا يخلف وعده ـ بأن يصل من وصلها ويقطع من قطعها، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال لها: مه قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعكِ؟ قالت: بلى يا رب. قال: فذاك) [البخاري رقم4830 فتح الباري (8/579) ومسلم (4/1980) ] .

وفي حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا لا يدخل الجنة قاطع) [البخاري رقم 5984 فتح الباري (10/415) ومسلم (4/1981) ] .

والنصوص في الواردة في صلة الرحم والنهي عن قطعها كثيرة منها العام، كما مضى ومنها الخاص بنوع من القرابة، (كالوالدين) وغيرهما.

والمقصود أن الذي لا يجاهد نفسه على صلة أرحامه، ليس أهلًا للجهاد في سبيل الله، لأنه عاصٍ لله ولرسوله قاطع لرحمه، وقد يكون سببًا في منع الله نصر المؤمنين على أعدائهم، وقد يكون غير قادر على الصبر والمصابرة أمام الأعداء.

لهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من استأذنه في الجهاد معه دون أن يستأذن والديه، أن يرجع إليهما ويجاهد في طاعتهما والقيام بحقوقهما، كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: جاء رجل النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال: (أحي والداك) قال: نعم، قال: (ففيهما فجاهد) [البخاري رقم 3004 فتح الباري (6/140) ومسلم (4/1975) ] .

قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: (هذا كله دليل لعظم فضيلة برهما وأنه آكد من الجهاد، وفيه حجة لما قاله العلماء أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين، أو بإذن المسلم منهما.. هذا كله إذا لم يحضر الصف ويتعين القتال، وإلا فحيئذٍ يجوز بغير إذن، وأجمع العلماء على الأمر ببر الوالدين وأن عقوقهما حرام من الكبائر. [شرح النووي على صحيح مسلم(16/104) ] .

وقد يعرض عاق والديه نفسه لغضبهما عليه ودعائهما، ودعوة المظلوم مستجابة ولو كان كافرًا، والعدل واجب ولو لكافر، كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها حجاب) [أحمد في المسند (3/153) والأحاديث الصحيحة للألباني (2/407) ] .

وقال تعالى في وجوب العدل ـ ولو لمن يبغضهم المؤمن في الله وهم الكفار ـ: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله، شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) ) [المائدة: 8] .

ولقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنه بقصة جريج الراهب ـ وهو رجل من بني إسرائيل _محذرًا إياهم من عقوق الوالدين، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج، كان يصلي جاءته أمه فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي؟ فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات.

وكان جريج في صومعته، فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى، فأتت راعيًا فأمكنته من نفسها، فولدت غلامًا، فقالت: من جريج، فأتوه فكسروا صومعته فأنزلوه وسبوه.

فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام، قال: الراعي، قالوا نبني صومعتك من ذهب، قال: لا إلا من طين) [البخاري رقم 3436 فتح الباري (6/476) ومسلم (4/1976) ] .

أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: في جهاد النفس

[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت