فالحاج مأمور بترك الرفث وهو الجماع وما يتصل به ـ فتكون زوجه معه في سفره يجمعهما مكان واحد وقت النوم ووقت اليقظة فلا يمد يده إليها إلا لحاجة كما يمد يده لعامة الناس، ولا يتكلم معها بكلام تشم منه رائحة التعريض، بما كان يباح له التصريح به.
كما أنه مأمور بترك الفسوق من قول أو فعل ـ وهو مأمور بذلك كل وقت ولكنه في الحج أعظم وآكد ـ وهو مأمور بترك الجدال، إلا إذا دعت الحاجة لمصلحة.
وبذلك يكون الحاج قد تزود من زاد التقوى، كما قال تعالى: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب) [البقرة: 197] .
والحاج أهل لهداية الله بعد أن تزود من تقواه: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين) [البقرة: 198] .
وزاد التقوى الذي يمنحه الله للحاج من حجه، يزيده تقربًا إلى الله ودوامًا على طاعته، حتى تصبح طاعته لربه أحب إليه من أي محبوب آخر، ولذلك لا يفتأ ذاكرًا له: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذركم آباءكم أو أشد ذكرًا) [البقرة:200] .
والحاج يؤدي ما أمر به من الأنساك في الحج ـ عبادة لربه ـ وهو يعلم أن كل ذلك لا ينفعه عند الله، إلا إذا اتجه بقلبه وقالبه إلى الله، وامتلأ قلبه بتقوى الله وخشيته: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم، كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين) [الحج:37] .
ويذهب الحاج إلى بيت الله الحرام لتأدية مناسك الحج، وقد أثقلته الذنوب والمعاصي ورانت على قلبه محبة الشهوات، فيزكيه حجه ويطهره، ويدرب نفسه على طاعة ربه في فترة زمنية معينة، فيترك ما نهاه الله عنه من الرفث والفسوق، فيعود وقد غفر الله له حتى غدا مثل من ولد لتوه لا ذنب له ولا إثم، بل طاعة وأجر وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه) .
وكما في حديثه أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاءًا إلى الجنة) [البخاري رقم 1773 ـ فتح الباري (3/597) ورقم 1820 فتح الباري (4/20) ومسلم (2/983) ] .
ولما كان الحج فيه مشاق النفقة والسفر والتعرض للمخاطر المتعددة، كالخوف والجوع والعطش والحر والبرد والزحام وغير ذلك، جعله صلى الله عليه وسلم للنساء بمنزلة الجهاد للرجال، كما في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: (لا، ولَكُنَّ أفضلُ الجهاد حجٌ مبرور) [البخاري رقم الحديث 1520 ، فتح الباري (3/381) ] .
قال الحافظ: (وسماه جهادًا لما فيه من مجاهد النفس) [فتح الباري (3/382) ] .
والذي وفقه الله تعالى لأداء مناسك الحج يعلم سبب تسمية الرسول صلى الله عليه وسلم الحج جهادا،ً فإن سفر الحج فيه شبه كبير بسفر الجهاد، لما يلتزم به الحاج من التقشف، ولما يقتضيه أداءه من الإلتزام بالنظام، والسير مع عامة الناس في وقت واحد، وفي مكان واحد، لا سيما يوم التروية وما بعده، إذ ترى الناس يصعدون إلى منىً في وقت واحد، وينزلون بها لأخذ أماكنهم ويصلون بها الصلوات الخمس: الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم الفجر مستعدين لمغادرتها صبيحة اليوم التاسع كلهم إلى عرفات.
وهناك يقفون كلهم بعد أن يصلوا الظهر والعصر قصرًا وجمع تقديم في وقت واحد، ثم إذا غربت الشمس تحركوا جميعًا نحو مزدلفة ينزلون بها جميعًا، ويصلون بها المغرب والعشاء جمع تأخير قبل أن ينزلوا متاعهم، ثم ينامون مبكرين استعدادًا لأعمال يوم النحر.
فإذا أصبحوا صلوا الفجر ودعوا الله وذكروه حتى يسفروا ثم يتجهون جميعًا إلى منىً فيبدءون برمي جمرة العقبة ضحى يوم النحر، ثم يذهب من عليه نحر لينحر ثم يحلقون ثم يطوفون طواف الإفاضة ثم يعودون إلى منىً للبقاء فيها ذاكرين الله تعالى رامين الجمرات في اليومين التاليين ليوم النحر أو الثلاثة.
ثم يتجهون إلى بيت الله لطواف الوداع، وفي التزامهم كلهم بذلك النظام ما فيه من المشقة والزحام وغير ذلك، والحاج الذي يقوم بذلك كله مع التزامه بطاعة الله في نيته وفي سلوكه، لا يعود إلا وقد هذبت نفسه وألفت الطاعة والجندية الإسلامية.
ولعل ذلك يبين شيئًا من حكمة ذكر الجهاد في سبيل الله بعد ذكر الآيات المتعلقة بالحج كما قال تعالى: (( إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله . ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز ) ) [الحج: 38 ـ40] .
الحج والأقصى الأسير!
إن حجاج بيت الله الحرام ليبذلون المال، ويعدون العدة للسفر،ويحرمون، ويلبون-والتلبية عهد على طاعة الله ورسوله-ويطوفون ويسعون، ويقومون بكل مناسك الحج _ومنها ركنه الأعظم الوقوف بعرفات.
ثم يؤدون ركن الحج العظيم-طواف الإفاضة- ويزورون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعض الأماكن التي تذكرهم برجال الجهاد، كالبقيع، وأحد، والخندق....
فهل يتذكرون صنو المسجدين العظيمين وثالثهما: ذلك المسجد الأسير"الأقصى"الذي يدنسه أبناء القردة والخنازير.
فهل تذكرتم يا حجاج بيت الله الحرام، أبناء الصحابة والتابعين في الأرض المباركة، الذين يقذفهم اليهود بالقنابل والرشاشات والمدافع، والطائرات والدبابات، ويهدمون منازلهم ويخرجونهم منها في العراء، ويحاصرونهم في قِطَع من الأرض، حتى لا يقدر القريب أن يزور قريبه، ويمنعون عنهم وصول الغذاء والدواء والملبس والمشرب؟
هل تذكرتم قبلتكم الأولى، ومسرى نبيكم صلى الله عليه وسلم ومعراجه؟
هل تذكرتم أن من أهم ثمرات حج بيت الله الحرام أن الله قد أذن للذين يقاتلهم أعداء الله بقتال الأعداء؟ وأن من ثمرات الحج دفع العدوان عن المساجد والمعابد.
اقرؤوا بتدبر وتفكروا في هذه الآيات الواردة في الحج، وكيف ختمت بقتال المسلمين من يقاتلهم ظلما وعدوانا، وبدفع المسلمين الاعتداء على المساجد والمعابد من أن تهدم أو تمس بسوء.
اقرؤوا هذه الآيات، واصبروا على قراءتها تقبل الله حجكم، ورزقكم الجهاد في سبيل الله لرد العدوان عن أنفسكم وإخوانكم، ودفع العدو عن تدنيس المساجد وتهديمها، وبخاصة المسجد الأقصى الأسير الذي دنسه أرذل خلق الله في الأرض"اليهود"فدفع العدوان عن إخوانكم، ودفعه عن مساجدكم ينبغي أن يكون من ثمرات حجكم:
بدأت الآيات المتعلقة بالحج من الآية السادسة والعشرين من سورة الحج، وهي قوله:
(( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ) ) (26)
وانتهت بالآية السابعة والثلاثين، وهي قوله تعالى:
(( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين ) ) (37)
وأتبعها تعالى بقوله: