وإنما يثمر الصيام التقوى، لما فيه من إلزام الإنسان نفسه بطاعة ربه في اجتناب المباحات التي أصبحت محرمة عليه، بعد شروعه في الصيام. وحقيقة التقوى، امتثال أمر الله بفعله، وامتثال نهية باجتنابه
والإنسان عندما يدع ما تشتهيه نفسه من المباحات والطيبات، طاعة لربه سبحانه، يكون أكثر بعدا عما هو محرم عليه في الأصل، وأشد حرصا على فعل ما أمره الله به.
أقوال العلماء في حكمة فرضية الصوم وأثره في حياة المسلم:
قال ابن كثير رحمه الله:"يقول تعالى مخاطبا للمؤمنين، من هذه الأمة، وآمرا لهم بالصيام، وه الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنية خالصة لله عز وجل، لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة- إلى أن قال-في قوله تعالى (( لعلكم تتقون ) ): لأن الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت في الصحيحين: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) " [تفسير القرآن العظيم01/213)]
وقال في تفسير المنار على قوله تعالى: (( لعلكم تتقون ) ):"هذا تعليل لكتابة الصيام، ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله تعالى، بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة، امتثالا لأمره، واحتسابا للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها، فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها، فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الصيام نصف الصبر) رواه ابن ماجه، وصححه في الجامع الصغير) [تفسير المنار: (2/145) ] "
وقال سيد قطب، رحمه الله في قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) ):""
وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم... إنها التقوى، فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب، وهي تؤدي هذه الفريضة، طاعة لله وإيثارا لرضاه، والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب، من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس بالبال، والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله ووزنها في ميزانه، فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم، وهذا الصوم أداة من أداتها وطريق موصل إليها، ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم، هدفا وضيئا يتجهون إليه عن كريق الصيام" [في ظلال القرآن: (2/168) ] "
وهنا نلفت النظر إلى الارتباط بين قوله تعالى في أول سورة البقرة: (( هدى للمتقين ) ) [الآية: 2] وبين قوله تعالى في أول آيات الصيام: (( لعلكم تتقون ) )وقوله في آخر هذه الآيات: (( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ) ) [البقرة: 185]
فقوله تعالى: (( هدى للمتقين ) )بين فيها أن هداية هذا القرآن، لا ينالها حقيقة إلا أهل التقوى.
وقوله: (( لعلكم تتقون ) )بين فيها أن الصيام طريق من الطرق الموصلة إلى التقوى.
وقوله تعالى: (( ولتكبروا الله على ما هداكم... ) )بين فيها أن الهداية قد حصلت للصائمين الذين منحهم الله بصومهم التقوى، والمتقي المهتدي جدير بأن يشكر الله على منحه التقوى والهداية: (( ولعلكم تشكرون ) )
قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: (( لعلكم تشكرون ) ):"أي إذا قمتم بما أمركم الله، من طاعته بأداء فرائضه وترك محارمه، وحفظ حدوده، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك" [تفسير القرآن العظيم: (1/218) ]
وقال سيد قطب رحمه الله في ظلال هذه الآية (( ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ) ):"فهذه غاية من غايات الفريضة، أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم، وهم يجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام، اكثر من كل فترة، وهم مكفوفو القلوب عن التفكير في المعصية، ومكفوفو الجوارح عن إتيانها."
وهم شاعرون بالهدى ملموسا محسوسا، ليكبروا الله على هذه الهداية، وليشكروه على هذه النعمة، ولتفيء قلوبه إليه بهذه الطاعة، كما قال لهم في مطلع الحديث: (( لعلكم تتقون ) )
وهكذا تبدو منة الله في هذا التكليف الذي يبدو شاقا على الأبدان والنفوس، وتتجلى الغاية التربوية منه، والإعداد من ورائه للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه، أداء تحرسه التقوى ورقابة الله وحساسية الضمير" [في ظلال القرآن: (2/172) ] "
ولما كانت النفس البشرية تتوق إلى تناول ما تشتهيه، وتنفر عن ترك ذلك، فإن من أعظم ما يزكيها ويطوعها لطاعة ربه، أن تُدَرَّب على الصبر عن تناول الطيبات التي أباحها الله تعالى لها، إذا أمرها بتركها.
ومن أعظم شهوات النفس الطعام والشراب والجماع، وقد حرم الله على المؤمن هذه الأمور المهمة في حياته كلها، في نهار شهر رمضان بأكمله، فإذا تركها مخلصا لله في تلك المدة من الزمن، فإنه بذلك يكون جديرا بأن يكون من المجاهدين لأعدائه الملازمين، وهم نفسه الأمارة بالسوء، والهوى المردي، والشيطان الرجيم.
والذي ينجح في هذا الجهاد، يسهل عليه الجهاد الخاص، وهو قتال عدوه الخارجي من اليهود والنصارى والوثنيين، ومن لم ينجح في جهاد عدوه الملازم، يصعب عليه هذا الجهاد، لأن الذي لم يروض نفسه على طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، فيما هو أخف عليه، كالصيام مثلا، فمن الصعب عليه أن يقف في الصف لمقارعة الأعداء يستقبل بصدره ونحره قذائف المدافع ورصاص البنادق، وأطراف الرماح وحد السيف.
وإن صبر في من لم يجاهد نفسه بطاعة الله على قتال عدوه، فالغالب أنه لا يصبر مجاهدا الجهاد الشرعي، وهو الجهاد في سبيل الله، وإنما يقاتل رياء وسمعة، ليقال عنه: إنه شجاع، أو للحصول على مغنم.
وتأمل الأسلوب الذي فرض الله به القتال على المسلمين، تجده نفس الأسلوب الذي فرض الله به الصيام، إلا أنه بين في الصيام أنه أداة لتقواه، وبين في فريضة القتال، انه فرضه عليهم وهو كره لهم، ومعلوم أن التقوى هي التي تعين المسلم على الصبر على ما تكرهه نفسه، وهو الجهاد في سبل الله، قال تعالى: (( كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شبئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) ) [البقرة: 216]
أثر الحج في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
والحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) . [آل عمران: 97] . وسبقت الأحاديث الدالة على كونه خامس أركان الإسلام.
أما أثر الحج في تزكية النفس وتطهيرها، فإنه يؤدي بها إلى تقوى الله كالصيام، مع شيء من التفصيل في امتثال الأوامر المقربة إلى الله، واجتناب النواهي المبعدة عنه سبحانه، فالحاج مأمور بذكر الله سبحانه، إذ يدخل في الإحرام بقوله: (لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك) [البخاري رقم1549 ـ فتح الباري (3/408) ومسلم (2/841) ] .
وهو مأمور بالمداومة على هذا الذكر وغيره أثناء إحرامه [راجع البخاري رقم1670، فتح الباري (3/519) ومسلم (2/931) ] .
وله في كل نسك يؤديه، ذكر عام أو خاص، كما أنه يدرب النفس على طاعة الله تعالى بعدم تعاطي بعض الطيبات والمباحات في الأصل، كالجماع وما يؤدي إليه والألبسة المعتادة غير ثوبي الإحرام ـ بالنسبة للرجال ـ والطيب، وتغطيته الرأس، وقص الشعر ونتف الإبط وتقليم الأظافر، ونحو ذلك من المحظورات التي وردت بها النصوص.
كذلك قتل صيد البر وأكله ـ مطلقًا أو إذا صيد من أجله ولو صاده غيره.