ولقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر الصلاة في تزكية النفس البشرية وتطهيرها من أدناس الشهوات والمعاصي فشبهها، في تكفير السيئات ومحو الخطايا، بنهر جارٍ بباب المسلم ـ وفي قرب النهر منه إغراء على كثرة الاغتسال والتطهر ـ وهو يغتسل فيه كل يوم خمس مرات فلا يبقى على جسمه شيء من الأوساخ.
كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا ما تقول ذلك؛ يبقى من درنه قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا". [البخاري: رقم528، فتح الباري: 2/11 ، ومسلم: 1/462] .
ولا يزال المؤمن يزكي نفسه بالصلاة حتى تصبح ملجأ له، يستريح بها من الهموم والأتعاب كما في الحديث: (يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها) [أبو داود: 5/263، قال في عون المعبود: والحديث سكت عنه المنذري ـ 13/231 ، وذكر الحديث صاحب كشف الخفاء ـ 1/108 ـ ولم يزل عنه الإلباس] .
وتتوق نفس المؤمن إلى الطيبات التي أحلها الله له فيحبها، ولكن عينه لا تقر إلا عندما يقف أمام ربه مستقبلًا القبلة مكبرًا خاشعًا في صلاته، كما قال صلى الله عليه وسلم:"حبب إليَّ من ديناكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة" [الجامع الصغير ورمز لمن أخرجه بـ (ح م ، ن ، ك ، هـ ق) ولدرجته ب ، ح أي حسن ، وذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته، وقال: صحيح3/87] .
والنفس البشرية التي يجاهدها صاحبها حتى تصل إلى هذه الدرجة، فلا ترتاح إلا بطاعة الله تعالى ولا تقر عينه، إلا في مناجاة ربه والتقرب إليه، جديرة أن تكون نفس من يجاهد في سبيل الله جعلنا الله ممن يصل إلى تلك الدرجة أو يقرب منها.
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفذ أمر الله سبحانه بالاستعانة بالصلاة فكان إذا نزل به ما يهمه لجأ إليها مستعينًا بها كما في حديث حذيفة الذي رواه أبو داود: (كان إذا حزبه أمر صلى) [أبو داود (2/78) صحيح الجامع الصغير للألباني (4/215) وقال: (حسن) ] . وهذا أمر زائد على الصلاة المفروضة لكنه يظهر تعلق المؤمن بها تعلقًا يجعله جديرًا بأن يكون من المجاهدين في سبيل الله.
أثر الزكاة في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
سبق ذكر بعض النصوص الدالة على أن الزكاة ركن الإسلام الثالث، ويكفي ذلك في إثبات وجوب أدائها.
أما أثر أدائها في تزكية المسلم وتطهيره من الذنوب والمعاصي لتسمو نفسه حتى يصبح أهلًا للانخراط في سلك المجاهدين في سبيل الله فمنها ما يأتي:
قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم) [التوبة: 103] .
وتظهر آثار الزكاة في النفس البشرية من هذه الآية، حيث جعل الله تعالى الزكاة سببًا في التزكية والتطهير لتلك النفس التي كان من أهداف بعث الله تعالى رسوله إلى الناس تزكيته إياهم وتطهيرهم من كل دنس في حياتهم كلها، كما قال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) [الجمعة: 2] .
قال سيد قطب في قوله:" (ويزكيهم) : وإنها لتزكية، وإنه لتطهير، ذلك الذي كان يأخذهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ تطهير للضمير والشعور، وتطهير للعمل والسلوك، وتطهير للحياة الزوجية، وتطهير للحياة الاجتماعية، تطهير ترتفع به النفس من عقائد الشرك إلى عقيدة التوحيد، ومن التصورات الباطلة إلى الاعتقاد الصحيح، ومن الأساطير الغامضة إلى اليقين الواضح، ويرتفع به من رجس الفوضى الأخلاقية إلى نظافة الخلق الإيماني، ومن دنس الربا والسحت إلى طهارة الكسب الحلال.."
إنها تزكية شاملة للفرد والجماعة، ولحياة السريرة وحياة الواقع، تزكية ترتفع بالإنسان وتصوراته عن الحياة كلها، وعن نفسه ونشأته إلى آفاق النور التي يتصل فيها بربه ويتعامل مع الملأ الأعلى، ويحسب في شعوره وعمله حساب ذلك الملأ العلوي الكريم) [في ظلال القرآن: (28/3565) ] .
وإنما كانت الزكاة سببًا في التزكية والتطهير؛ لأنها دليل على صدق إيمان العبد الذي تغلب على شح نفسه، فأخرج من ماله الذي تعب في جمعه ما أمره الله تعالى به، ولأنها دليل على أن المؤمن الذي أداها قد فاز في المعركة مع عدوه الذي يخوفه من الفقر ويأمره بالفحشاء، لنجاحه في طاعة ربه الذي أمره بالإنفاق ووعده بالفضل الجزيل من عنده، كما قال تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلًا والله واسع عليم) [البقرة:268] .
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أي الصدقة أعظم أجرًا؟) قال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم) قلت: (لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان) [البخاري: رقم1419 فتح الباري (3/284) ومسلم (2/716) ] .
ويظهر من هذا الحديث أن بذل المال وإخراجه طاعة لله تعال،ى أمر شاق على النفس يحتاج إلى جهادها حتى تسمح به.
قال النووي رحمه الله: (فمعنى الحديث أن الشح غالب في حال الصحة، فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره، بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة ورأى مصير المال لغيره) [شرح النووي على صحيح مسلم (7/123) ] .
وقال الحافظ ابن حجر: (ولما كانت مجاهدة النفس على إخراج المال مع قيام مانع الشح دالًا على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة، كان ذلك أفضل من غيره) [فتح الباري: (3/285) ] .
وفي صحيح مسلم [ (1/203) ] : (والصدقة برهان) وفي رواية للنسائي [ (5/5) ] (والزكاة برهان)
وفي شرح النووي على مسلم لهذا الحديث: (معناه: الصدقة حجة على إيمان فاعلها فإن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها، فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه. والله أعلم) [شرح النووي على مسلم (3/101) ] .
وقال ابن رجب: (فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان، وطيب النفس بها علامة على حلاوة الإيمان وطعمه) [جامع العلوم والحكم (ص19) ] .
وإذا عرف هذا علم أن من لم يجاهد نفسه حتى تسمح بإخراج جزء من ماله لله تعالى، فإنه لا يقدر على بذل نفسه في سبيل الله لأن بذل النفس أشق من بذل المال، فكيف ترضى نفس أن تتقدم لأسنة رماح الأعداء انتصارًا لدين الله ورفعًا لكلمته، وهي لا ترضى ببذل جزء من المال؟.
أثر الصوم في جهاد النفس
[تابع لملأ الفراغ بمنهج الله]
ولسنا في حاجة إلى ذكر أدلة فرضية الصيام، لأن ذلك معلوم من الدين بالضرورة، ويكفي أن يعلم المسلم أنه أحد الأركان الذي بني عليها الإسلام.
والمقصود هنا بيان أثر الصيام في تزكية النفس وتطهيرها، وكونها أهلا لطاعة الله والبذل في سبيله، لقد بين الله سبحانه وتعالى أن القرآن العظيم، لا ينتفع به ويهتدي بهداه إلا المتقون.
فهو-وإن نزل للدعوة الناس كلهم إلى طاعة الله وتقواه-لا يهتدي به في الواقع إلا أهل التقوى، كما قال تعالى: (( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) ) [البقرة: -2]
ومن أهم العبادات التي تكسب المؤمن تقوى الله الصيام، وبخاصة صيام شهر رمضان، كما قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) ) [البقرة: 183]