فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 788

كان الدين في تلك اللحظة، ممثلًا بالمساجد والعلماء، خط الدفاع الأول في وجه القادم المجهول، وكان هو أيديولوجية المقاومة في أبسط أشكالها، قبل أن تنشأ مدارس سياسية تترجم الرفض الجماهيري إلى شعارات وأدبيات، وتصيغ مفاهيم الحضارة العربية الإسلامية بلغة معاصرة.

وبذلك تكون المنطقة قد تجاذبتها عموميات الفكرة القومية الليبرالية المسلوبة ـ إن لم نقل المحاربة ـ لشق الشخصية الحضارية العربية الإسلامية والتي فتحت الميدان السياسي لكل من نطق بالعربية، ومعارضة سياسية إسلامية مبتدئة فاقدة للخبرة السياسية، والتي فعلت الشيء نفسه ولكن لكل من رفع لافتة الدين، فحققت أطياف سياسية شروط الانخراط السهلة في النمطين الفضفاضين. ومن بين المتفوقين في اجتياز شروط النضال القومي العربي بامتياز «صفويون» فرس (مصطلح شيعي عربي) ولكن بأنساب عربية منتحلة، واجتاز متدينون منهم اختبار منح الثقة عند الإسلاميين، وظلت تلك الثقة مسبغة عليهم حتى لحظة وصولهم على ظهور الدبابات الأمريكية إلى أسوار بغداد، وسط ذهول كثير من القوميين والإسلاميين على حد سواء، الذين أنطقهم هول الصدمة بعبارة: (كنا نظنهم مناضلين) .

ليس من شطط الكلام القول إن هذه السذاجة الأيديولوجية عند القوميين والإسلاميين ـ التي لم تُستدرك ـ هي التي أسقطت العراق بيد الصفويين الجدد في صفر 1423هـ / نيسان 2003م وقدمته على طبق من فضة، وقد تسببت السذاجة ذاتها في سقوط دول أخرى في المنطقة ولكن من دون ضجة.

الأحاديث الجريئة التي شقت طريقها أخيرًا إلى الهواء الطلق بعناء واستحياء شديدين، عن تواطؤ الحوزة مع المحتل الأمريكي بعد عام ونصف على وقوع الاحتلال لا زالت ناقصة، ولم تخرج عن دائرة العموميات؛ فالتشيع الصفوي علاوة على الاختلافات المعروفة بين أهل السنة والشيعة مدرسة سياسية راسخة على الخريطة السياسية العالمية، لها أجندتها السياسية التي يفهمها الأوروبيون ويفهمها الروس وتفهمها الهند، منذ الانقلاب غير الأبيض الذي حمل الصفويين إلى الحكم عام 900 هـ، وأخرج إيران من دائرة الحضارة العربية الإسلامية، لتكون الخروف الأسود في القطيع الأبيض، ويصبح خلافها السياسي مع محيطها الإقليمي ورقة ثمينة لا تفرط بها القوى الدولية في توازناتها الإقليمية والدولية.

ولم تتغير الأجندة الصفوية في إيران بتغير السلالات المتعاقبة على حكمها، ابتداءً بالصفويين أنفسهم، فالقاجاريين، فالبهلويين، وأخيرًا الحوزة.

وقد التقت مصالح إيران الحوزة مع مصالح قوى عالمية على حساب جاراتها المسلمة ثلاث مرات خلال عقدين: تارة مع الشيوعية، وتارتين مع المسيحية المتصهينة التي يعتنقها نزلاء البيت الأبيض. وهذا الذي يحدث في العراق تكرار لتلك المصالح كما لا ينفي ذلك المسؤولون الإيرانيون، وهي مصالح تغلِّبها طهران كل مرة على تبعات الحروب المعروفة سلفًا من انتهاكات الحرمات والأعراض.

لا جدال في أن نمط الحياة السياسية في الدولة العراقية الحديثة، والأطقم الثقافية المبكرة للدولة من السنَّة العرب والأكراد من بقايا الدولة العثمانية له علاقة مباشرة بالخلاف الصفوي العثماني، وحساسية العثمانيين من الشيعة الذين قاطعوا مؤسسات الدولة العثمانية والتعليم الحكومي، وانصرفوا إلى أعمال التجارة، ومن أراد التعليم منهم طلبه في إيران.

ولكن في الوقت الذي غاب فيه الحضور العثماني عن العراق بجميع أشكاله، وخرج من اهتمامات الدولة التركية الوريثة شؤونُ الشعوب التي شاركتها نظامها السياسي أربعة قرون، إضافة إلى تخليها عن أدوار الدولة الإقليمية الكبرى، واكتفائها بشؤون التركمان العراقيين، ثم ارتفاع جُدُر ثقافية عالية تعزل أجيال اليوم عن شركاء الأمس بسبب أدبيات ومناهج تعليم الدولة القومية التي اعتبرت الحقبة العثمانية حقبة احتلال أجنبي، مقابل هذا كله يستمر حضور الشريك الفارسي بأشكاله المختلفة؛ الديموغرافية والفقهية والمالية والسياسية، وظلت إيران على الدوام الرقم الحاضر الغائب في المعادلة الداخلية العراقية، والعمق الاستراتيجي والروحي للحوزة ولشيعة العراق، وهو حضور يطوِّر الخلاف السني الشيعي المحلي، ويقلل من فرص الوفاق.

وربما ظهرت آثار هذا الحضور بادية في موقف الحوزة الصامتة ـ مصطلح شيعي عربي ـ التي يهيمن عليها التيار الفارسي في صمتها من تدمير الفلوجة وقتل أناسها العزل، في مقابل السلوك التكافلي الذي أبداه أهل السنة والتيارات الشعبية الشيعية العربية نحو بعضهم أثناء أحداث الفلوجة الأولى وأحداث النجف. وظهرت هذه الآثار في فتوى المرجعية العظمى في الحوزة ـ وهو إيراني لا يحمل الجنسية العراقية ـ بدخول النار لمن لا يشارك في العملية السياسية التي يريدها المحتل الأمريكي.

ليس مجانبة للصواب القول: إن الدولة العراقية استطاعت إيجاد شخصية عراقية تعتز بوطنها، وأن ملامح هذه الشخصية غطت إلى حد ما على الاعتبارات الأخرى التي يزخر بها كل مجتمع فسيفسائي كالمجتمع العراقي.

قد لا نبالغ إذا قلنا: إن المشوار الثقافي عند الفرد السني وطموحاته السياسية تنتهي عند الغلاف الخلفي لكتاب التربية الوطنية الذي تقرره مناهج الدولة في المدارس والمعاهد وحتى في الدوائر الحكومية.

هذه العلاقة بين الشخصية السنية ومؤسسات الدولة صيد سهل لخصوم أهل السنة، لكن الناظر في التاريخ يرى أن نشوء هذه الشخصية كان مصاحبًا لنشأة دولة الحضارة العربية الإسلامية الأولى، بل إنهما أوجدا بعضهما، لتبقى هذه الشخصية لصيقة بالدولة ومؤسساتها الفقهية والفكرية والحضارية على مر العهود.

وفرق كبير بين أن تكون نقطة البداية من الحكم وبين أن تكون المعارضة هي الأصل.

المشكلة هي أن الدولة المعاصرة تغيرت والشخصية هذه استمرت؛ فما كان هو الأسلم في حساباتها يوم صفين ووصول الأمويين وفتن الفلسفة في خلافة بني العباس والعلاقة مع الأقليات المذهبية بقي هو الأسلم. الأسوأ هو عندما تُحسَب هذه الأنظمة على أهل السنة ويؤخذون بجريرتها. وقد خسر أهل السنة بسبب أيديولوجية استنبطت في ظروف مختلفة قطاعًا واسعًا من شارعهم ولا زالوا يفعلون.

يمكن القول: إن سيكيولوجية الحكم المزمنة لدى هذه الشخصية لا زالت تتحكم بها في زمن الاستضعاف؛ فهي لم تألف العمل المعارض، ولا تملك خطًا ثانيًا من مؤسسات الاكتفاء الذاتي المالي والإعلامي والاجتماعي مما يوازي مؤسسات الدولة، فتفعله في الحالات الاستثنائية وتدير به شؤون «شارعها» كما هو الحال لدى الأقليات؛ لذا نرى الاضطراب والحيرة يدبان في سلوكها لحظة غياب الدولة.

من أين تبدأ هذه الشخصية خطة إعادة التأهيل؟ سؤال كبير. ولكن ما من شك أن طريقة التفكير هي إحدى العثرات المبكرة على الطريق؛ فلا زالت هذه الشخصية تفكر بعقلية من يحكم وليس بطريقة من اجتمعت عليه الأحزاب. وفي الغرب يدخل أفراد الحزب الحاكم الذي خسر الانتخابات في «كورس» لنقلهم من جو سيكيولوجي إلى آخر، وإعادة تكييف الشخصية بما ينسجم ومهامها الجديدة؛ فكيف بمن أمضى تاريخه كله في موقع الحكم ولم يجرب المعارضة، وليس في فقهه السياسي الذي استنبط في ظروف التمكن الكثير الذي يرجع إليه، أو في تاريخه من الفصول المشابهة التي يمكن الاقتباس منها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت