فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 788

لم يكن الحال في نظم حضارتنا السياسية عبر التاريخ على غير هذه الشاكلة؛ فقد ارتبطت محطات الحضارة بأسماء أعلام بعثوا الأمل في النفوس وقادوا مجتمعاتهم وتركوا بصمات غائرة على محيا التاريخ، وهم إلى هذا اليوم مدارس يلتقي عليها المفكرون.

ما نشهده في ساحتنا اليوم هو صورة مقلوبة لسنن التحول في حياة الأمم؛ شارع يبحث عن قيادة وليس العكس، عامة تبحث عن نخبة وليس العكس. التاريخ اليوم يُصنع في شوارع الفلوجة وبغداد وتكريت وسامراء والموصل وبعقوبة والأنبار على الوجه الذي يتوق إليه أي قائد جماهيري في أي شعب من الشعوب.

في الشهر القادم (نزول العدد) سيكون عامان من التغطية الإعلامية والإخبارية التي شهد لها العدو قبل الصديق بالشجاعة والسبق المهني، لكنها تغطية خارج السياق، كحبة الماس الثمينة التي تبحث عن عقد تنتظم فيه لتأخذ شكلها الجمالي النهائي، ولو خرجت أمريكا من العراق غدًا فسيتحول شريط الأخبار إلى تغطية أحداث الغد، ونجد أنفسنا أمام كومة إخبارية جديدة.

أكثر من عام على الاحتلال كافٍ وزيادة لمجاراة العواطف والانفعالات الإنسانية التي لا مناص منها في الأزمات؛ فالعواطف مهما جاشت لن تدوم، بل ستخفت، ما يدوم هو الحقائق؛ فهي التي تُبقي النبض في العروق، وتشحذ الهمم كلما اقتضت الحاجة.

لقد أظهرت أحداث عام ونصف وبلون فاقع هشاشة الأداء السياسي عند أهل السنة وتذبذباته، وبدائية أدواته، وحسبنا أن أحدث معجم سياسي في حوزة المؤسسة السياسية للحضارة العربية الإسلامية يتناول مسألة خيانة طابور خامس هو نسخة سنة 656هـ، مع أن سقوط بغداد في ذلك العام ليس هو الأقرب زمنيًا لسقوطها في 9 نيسان 2003م، بل سقوطها الثاني في 1917م على يدي الإنكليز هو الأقرب، ولا زال تصوير دواوين ابن كثير لتدمير بغداد وحرق دور تراثها بعد تسعة قرون على كتابتها هو أحدث ما في ملفاتنا عن مؤامرة تدمير حضارة بتنسيق بين عدو خارجي وطابور محلي وهدم دولة على رؤوس ساكنيها. المشكلة لا تُعزى إلى ندرة العمالقة في هذا العصر، ولكن السقوط الأول كان عسكري الطبيعة، وبقي هناك من يرصد الحدث بمنظار الحضارة، ويضع الأمور في سياقها، في حين خلت مدونات التاريخ المعاصر ـ أو كادت ـ من وثائق وحقائق سقوط بغداد الثاني، رغم التشابه الكبير في الحالات الثلاث، وامتلأت بالعموميات والتزييف، ولم تورّث أجيال اليوم مادة تسترشد بها أو تقتبس منها شعاراتها ونعوتها، فعادت إلى أراشيف القرن السابع الهجري.

إن الحقائق المذهلة التي تتكشف اليوم عن فصول التاريخ القريب قلبت قناعات ظنها الكثيرون نهائية، لكن هذه الحقائق ـ على أهميتها ـ تُقرأ اليوم كمادة إرشيفية منتهية الصلاحية، ولو أنها دونت في حينها بنمط آخر؛ لكنا اليوم أمام صورة مغايرة للتاريخ المعاصر، ولأغنى قاموس 1917 بشخصياته وبيوتاته المعاصرة عن قاموس 656هـ، ولكانت أجيال اليوم أقل سطحية وحيرة وأكثر تأهبًا لما حدث اليوم أو لما سيحدث في المستقبل.

لقد أيقظ الاحتلال والمقاومة معًا الإحساس بالهوية، وبعثا روح العزيمة، وأزالا الحدود القطرية التي كانت نُدَبًا ثقافية وسياسية شبه مزمنة في العقل العربي المعاصر لتصبح المقاومة هي الأخرى متعددة الجنسيات مثل القوات الغازية، وكانت العثرة الحقيقية الأولى في مسار الإمبراطورية الأمريكية.

العراقيون ليسوا وحدهم في الميدان، بل معهم عرب الجوار وعرب الأقاصي والمسلمون، وكل شعوب الأرض التي اكتوت بظلم وجشع ظاهرة «دولة الشركات» كل يعبر عن حنقه بطريقته الخاصة، ولو بارتداء دثار «فانيلة» تحمل اسم العراق، أو رفع علم العراق في مناسبة رياضية. ليس المقصود عند هؤلاء العراق ذاته، ولا يهم العراقيين رفع العلم أو الدثار (الفانيلة) ، ولكن قضية العراق أصبحت بصيص أمل الفلسطيني في مخيم جنين، والسوداني في دارفور، والأفغاني في كابول، والأرجنتيني الذي سلبه المزارع الأمريكي مزرعته، والفيتنامي الذي حولت أسلحة الدمار الشامل الأمريكية أرضه إلى أرض جدباء لا تنبت، وأصبحت الفلوجة اسمًا يضاف إلى قائمة الأمراض النفسية «للأمة الأمريكية» .

أهل السنة بحاجة إلى سياق أيديولوجي تنتظم فيه مكونات قضيتهم وفصول تضحياتهم، وترتسم من خلاله الصورة الكاملة للحدث بخلفياته ومراميه، سياق يتسق مع الماضي فيحتشد الماضي وراء ظهورهم، ويتسع للحاضر فينشدّ أحرار العالم إلى قضيتهم.

لا بد من ولادة أيديولوجية في مناخ أزمة كهذه، تحاكي كل أطياف المجتمع التي يرعبها المشروع الصهيو ـ أمريكي، ولا بد من المسارعة إلى تدوين أحداث الحاضر، وإعادة كتابة أحداث الماضي القريب الذي ترك لأقلام شعوبية بحبر جديد، وإعادة الثقة إلى الشارع السني بوطنية آبائه وأجداده وأدوارهم مع الإنكليز التي لم تختلف عما يشاهدونه اليوم.

نقول هذا خشية ذهاب حقائق وتضحيات مقاومة مثلثهم أو مستطيلهم أدراج الريح، وضياعها بين ثنايا الكتب غير السياسية كما حصل إبَّان الاحتلال البريطاني، أو أن تخطف المشهد زوابع لا تلبث أن تنتهي أو تقمع ذاتها.

لقد كانت معادلة أو «تفاهم» العلماء ـ الأمراء (العلماء أهل النظرية والأمراء أو الساسة أهل التنفيذ) هي المناخ السياسي الذي يُصنع فيه القرار السياسي في نظم الحضارة العربية الإسلامية، وكانت حجر الزاوية في تماسك نظامها السياسي وجبهتها الداخلية.

ولم يعرف العالم عن العرب قبل هذه المعادلة أو هذا «التفاهم» سمة الأممية، كما أنه لم يُعثر لها على أثر بعد اختلال هذه المعادلة، بل إن العرب بغير الرسالة السماوية التي تممت مكارم الأخلاق عندهم، وخلقت أيديولوجية أعادت صياغة نظام حياتهم هم أقل أقوام الأرض قدرة على إدامة المدنيات والحضارات، وبغيره يعودون إلى ثقافة داحس والغبراء التي تتخذ اليوم شكل (فيشت الديبل) و (البوليساريو) ، و (الكويت) و (حلايب) وغيرها.

لكنه لن يشق على الناظر إلى الساحة السياسية اليوم، وفي العالم العربي على وجه الخصوص، معرفة حجم الضرر الذي أصاب هذا «التفاهم» في ظل النظام السياسي المعاصر، وفي ظل الحرب الثقافية الأهلية التي اجتاحت المجتمعات العربية منذ مطلع القرن الماضي، ومزقت نسيج المجتمع وأنهكت الشعوب والحكومات معًا واستنزفت الثروات، وكانت بامتياز سمة القرن الماضي.

هذه الحرب هي التي تطورت وتعقدت فيما بعد، وشهدت استنجاد أطراف فيها بالخبرات الأمنية الخارجية لكسب المعركة الثقافية، وانتهت باستضافة الجيوش الأجنبية على أراضينا بشكل رسمي.

كان دخول المشروع القومي إلى المنطقة إيذانًا ببدء الحرب الأهلية؛ فقد جاء متأسيًا بالمثال الأوروبي الذي أوصل أوروبا إلى جادة الرخاء والاستقرار التي هي فيه. الفارق هو أن المثال الأوروبي أتى في وقت كانت قد حسمت فيه القارة ومنذ وقت مبكر علاقتها مع كنائسها التي كانت سببًا في شقاء وهجرة الملايين من الأوروبيين وفي تخلفهم أيضًا. في حين اقتُبس المشروع القومي العربي في زمان كانت تؤوب الشعوب فيه إلى الدين تحسبًا من بديل سياسي مجهول في ظل جيش احتلال أجنبي وأطقم ثقافية مرافقة، ومكان من العالم يُعتبر فيه الدين وما يتفرع عنه قاعدة لفهم السياسة والتاريخ، والنتيجة هي إرهاصات حرب ثقافية أهلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت