والمؤمن الجاد ليسَ لطاعته وعملهِ الصَّالح نهايةً إلاَّ بالموتِ، كما قالَ تعالى: (( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) ) (سورة الحجر:99) .
والسَّاعات أغلى من أن تُنفَق في أحاديث فارغة, أو مجالس لا غية، يُشاهَدُ فيها ما حَرَّم الله من صورٍ ونحوها, ويُسمعُ فيها المنكرُ من غناءٍ يُفسد القلب, وأفكارٍ تنحرفُ بصاحِبها عن الصِّراطِ المستقيم, وليس أضر على المرء من قُرناء السوء, فهم يُثبطون عن الخير، ويفتحُونَ على من يُجالسهم أبوابًا من الشُّرورِ والفتن, ويهونون عليه المعصية, وهل آفةُ النَّاس إلاَّ من النَّاس, وهل كانَ على (أبي طالب) عندَ الوفاة أضر من قرناءِ السُوءِ، فلم يزالوا به حتى حالوا بينهُ وبين سعادة الأبد , فإيَّاكَ ومجالس المُثبطين من أصحاب اللهو والعبث والبطالة والمعاصي, فإنَّ طبعك يُسرقُ منهم وأنتَ لا تدري, وليس إِعْدَاء الجليسِ جليسَهُ بمقاله وفعاله فقط، بل بالنظرِ إليه، والنظر في الصورِ يُورِثُ في النفوسِ أخلاقًا مُناسبةً لخُلق المنظور إليه, ومن المُشاهد أنَّ الماءَ والهواءَ يفسدان بمجاورة الجيفة, فما الظنُّ بالنفوس البشرية الضعيفة . أهـ [صلاح الأمة 7/226] .
وَلا تَجْلِسْ إِلى أهلِ الدَّنَايَا فَإِنَّ خَلائِقَ السُّفَهَاءِ تُعِْدي
الأيَّامُ ثلاثةِ: الأمسُ قد مضى بما فيه, وغدًا لعلكَ تُدركهُ, وإنَّما هو يومكَ هذا فاجتهد فيه، قال يحيى بن معاذ: إضاعةُ الوقت أشدُّ من الموت, لأنَّ إضاعةَ الوقت انقطاعٌ عن الحقّ, والموتُ انقطاعٌ عن الخلق.
من غفَل عن نفسهِ وأضاع دينَه, تصرَّمت أوقاتهُ, وعظُمَ فواتَه, واشتدَّت حسراتهُ, مسكينٌ كلَّ المسكنة, من ضيَّعَ الصلوات, وأكل المال الحرام, وظلمَ الناس, وتكلَّم بالباطل, وشاهدَ المُنكر, فيا تُرى ماذا ستكونُ حالهُ عندما يتحقَّقُ نزول الموت وحضور الأجل, وعندما يوقنُ بما عاشهُ من ضياعٍ يطلبُ الرُجعى فلا يُطاع، قد حِيلَ بينهُ وبين الاسترجاع, نعم، هيهات كيف يطلبُ الفائت, وكيف يردُّ الأمس الذاهب, (( وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيد ) ) (سورة سبأ:52) , (( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ) ) (54) سورة سبأ .
فيَا حسرات مَا إِلى ردِّ مِثلهَا سبيلٌ وَ لو رُدَّت لَهان التَّحسُّرُ
هيَ الشَّهواتُ اللاءِ كانَت تحوَّلَتْ إلى حسراتٍ حينَ عَزَّ التَّبَصُّرُ
فلَو أنَّهَا رُدَّتْ بِصبرٍ و قوَّةٍ تحوَّلنَ لذَّاتٍ وذو اللُّبِّ يُبصِر
ُ [صلاح الأمة 7/155]
فاعمل ما شئت لترى نتيجة العمل , واختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك فإنَّه عائد عليك لا محالة, ولهَذا يُقالُ للسعداء: (( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ) ) (سورة الحاقة:24) .
ويُقال للأشقياء: (( ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ) ) (سورة غافر: 75) .
سَأل الفُضيل بن عِياض- رحمه الله- رجلًا، فقال له: كم عمرك ؟ فقال الرجل: ستُّون سنة، فقال الفضيل: فأنت منذُ ستين سنة تسير إلى ربكَ تُوشك أن تصل . فقال الرجل: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، فقال الفضيل: من عرف أنَّهُ عبد لله وأنَّه راجعٌ إليه، فليعلم أنهُ موقوفٌ ومسؤولٌ، فليعد للسؤالِ جوابًا، فقال الرجلُ: ما الحيلةُ؟ فقال الفضيل: يسيرة , تُحسنُ في ما بقيَ , يُغفر لك ما مضى, فإنَّكَ إن أسأت في ما بقيَ أُخذتَ بما مضىَ وما بقي .
فيا غافلًا عن مصيره, ويا واقفًا في تقصيره, سبقك أهل العزائم, وأنت في اليقظة نائم، سَأل سائلٌ بعض الصالحين فقال: أيجوزُ أن أفسح لنفسي في مُباح الملاهي ؟ فقال لهُ: عند نفسك من الغفلة ما يكفيها في الملاهي ملاهي , فاحذر البطالة والبطَّالين فإنَّهم قُطَّاع طريق .
يقول ابن الجوزي: ( أعوذ بالله من صُحبةِ البطَّالين, لقد رأيتُ خلقًا كثيرًا يجرون معي فيما اعتادهُ النَّاس من كثرة الزيارة, ويُسمون ذلك التردد خدمة, ويُطيلون الجلوس, ويُجرون فيه أحاديث الناس وما لا يُغني , ويتخللهُ غيبة, وهذا شيءٌ يفعلُه في زماننا كثيرٌ من الناس, وربما طلبه المَزور، وتشوَّقَ إليه، واستوحشَ من الوحدةِ، وخُصوصًا في أيامِ التَّهاني والأعياد, فتراهُم يمشي بعضهم إلى بعض, ولا يقتصِرُون على الهناء والسلام, بل يمزجُون ذلك بما ذكرتُه من تضييع الزمان, فلَّما رأيت أنَّ الزمانَ أشرفُ شيءٍ, والواجبُ انتهابهِ بفعل الخير, كرهت ذلكَ، وبقيت معهم بينَ أمرين: إن أنكرت عليهم وقعت وحشةٌ لموضعِ قطْع المألوف, وإن تقبَّلتهُ منهم ضاعَ الزمان, فصرت أدافعُ اللقاء جهدي, فإذا غُلبتُ قصَّرتُ في الكلامِ لأتعجَّل الفراق, ثم أعددتُ أعمالًا لا تمنع من المحادثة لأوقاتِ لقائهم, لئلاَّ يمضي الزمانُ فارغًا, فجعلتُ من الاستعداد للقائهم قطع الكاغد, وبري الأقلام, وحزمُ الدَّفاتر, فإنَّ هذه أشياء لا بدَّ منها، ولا تحتاجُ إلى فكرٍ وحضورِ قلب, فأرصَدتُها لأوقاتِ زيارتهم لئلاَّ يضيعَ شيءٌ من وقتي) .
ويقولُ أيضًا: (رأيتُ عموم الخلائق يدفعونَ الزمانَ دفعًا عجيبًا: إن طالَ الليلُ، فبحديثٍ لا ينفع, أو بقراءةِ كتابٍ فيهِ غزاة وسمر, وإن طالَ النَّهارُ فبالنوم, وهم أطرافُ النَّهارِ على دجلة أو في الأسواق, فشبهتُهم بالمتحدثينَ في سفينةٍ وهي تجري بهم, وما عندَهُم خبر, ورأيتُ النَّادِرِينَ قد فهمُوا معنى الوجود, فهُم في تعبئةِ الزَّاد والتأهُبِ للرَّحيلِ, إلاَّ أنَّهم يتفاوتُون, وسببُ تفاوتهم قلَّةُ العلم وكثرته، بما ينفقُ في بلدِ الإقامة, فالغافلون منهم يحملُونَ ما اتفق, ورُبَّما خرجوا لا مع خفيرٍ, فكم ممن قد قُطعت عليه الطريق فبقي مفلسًا ! .
فاللهَ الله في مواسمِ العمر, والبدار البدار قبلَ الفوات, واستشهدوا العلم, واستدلوا الحكمة, ونافسُوا الزمان وناقِشُوا النفوس, فكأنَّ قد حَدَا الحادي فلم يُفهم صوتهُ من وقع الندم.
هذا في زمنه، فماذا عسانا أن نقولَ في عصرنا هذا وقد اشتدَّت غُربةُ الدين, وانفتحت أبوابُ الشُبهاتِ والشهوات, وصرف بعضُ الناسِ أفضل الأوقاتِ لمُشاهدةِ الفضائيات, والتنقُّل بينَ القنواتِ ومُتابعةِ المُبارَيات, فضُيِّعَت الأوقاتُ، وأُهملت الصلواتُ, ونطقت الرُّويبضَةُ , وضَعُفَ الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُّ عن المنكر، فلا حولَ ولا قوةَ إلاَّ باللهِ.
استعينوا باللهِ, وأدُّوا فرائضَ الله , وأديمُوا ذكرَ الله, واحذروا العجزَ والتَّسويف, واليأس والقنوط, وابذلِوا من أوقَاتكم للدَّعوةِ إلى الله, وإرشاد عباد الله كلٌّ بحسبه, ومن كانَ لديه القدرةُ لمقاومةِ المنكر وكشفه, والردُّ على المُبطلين والعِلمانيِّين الذين يبُثُّونَ سُمُومَهُم في الصُّحفِ والمجلات وغيرها فليفعل, فإنَّ الردَّ على هؤلاءِ جهادٌ مشكورٌ وعملٌ مبرور .
أنتَ بيومِكَ لا بغَدِكَ وأمسِك , فاجتهد أن لا يمضي عليكَ يوم دُونَ خيرٍ تعمله, أو قريبٍ تصلُه, أو مريضٍ تزوره, أو مسلمٍ تنفعه, أو شرٍّ تدفعه, أو منكرٍ تنهى عنهُ, أو آياتٍ من القرآن تتلُوها, فإن ضعفْت عن جميعِ ما مضى فكفَّ شرَّكَ عن الناس، فإنَّها صدقةٌ منكَ على نفسك .
قال ابن مسعود t: (ما ندمتُ على شيءٍ ندمي على يومٍ غرَبَت فيه شمسُهُ نقص من أجلي ولم يزدَدْ فيه عملي) .