لكن رأينا من ينظر إلى السَّاعة، وكيف أن الأوقات تنقضي بسُرعة قبل أنْ يُكمل ما حدَّدَهُ من تِّلاوة حِزبهُ الذِّي اعتادهُ!.
في الحديث:"من حجَّ فلم يرفُث ولم يَفْسُق خرج من ذُنُوبِهِ كيوم ولدتهُ أُمُّه".
والحج أربعة أيَّام، فماذا على العبد لو سكت عما لا يحل أربعة أيام؟!.
لكن: هل سيُعان على السُّكُوت، وهو طول أيَّامِهِ أيَّام الرَّخاء في قيل وقال؟!.
والله لن يُعان على السُّكُوت!.
فعلى الإنْسان أنْ يتعرَّف على الله في الرَّخاء ليُعرف في مثل هذه اللحظات.
وكما قال الله جل وعلا: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) . [سورة الليل، الآية: 4] ففي العناية كما قلنا: شخص يلعن، ويسبُّ ويشتم، وشخص آخر يقرأ القُرآن.
فهل هذا يعني أنّ الله - جل وعلا - ظلم هذا، ولطف بهذا؟!.
أبدًا، تعالى الله عن ذلك.
لكن هذا الذي يلعن و يسبُّ ويشتم ما قدَّم لنفسه، وهذا الذي يقرأ القُرآن قدَّم لنفسه، والنَّتيجة أمامه.
النَّبي - عليه الصلاة والسلام - يُكابد من المرض ما يُكابد، ومع ذلك يحرص على تطبيق السُّنَّة:"فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استن استنانا قط أحسن منه فما عدا أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده أو إصبعه ثم قال: في الرفيق الأعلى، ثلاثًا، ثم قضى".
فبعد ما فرغ، وبمُجرَّد فراغه - صلى الله عليه وسلم - رفع يدهُ أو إصبعه، ثُمَّ قال:"في الرفيق الأعلى، ثلاثًا، ثم قضى". - عليه الصلاة والسلام - وخرجت رُوحُهُ الشَّريفة إلى بارئِها.
وكانت عائشة تقول:"مات بين حاقنتي وذاقنتي". وهي الوهدة المُنخفضة ما بين الترقوتين، والذِّقن معروف: مكان اللحية.
قولها رضي الله عنها:"مات بين سحري ونحري". هذا من مناقبها، رضي الله عنها.
وفي لفظٍ:"فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يُحب السواك"فقلت:"آخذه لك؟"فأشار برأسه: أن نعم". وهذا لفظُ البُخاري، ولمسلم نحوه."
فعلينا أنْ نحرص أشدَّ الحرص على الواجبات، وما تقرَّب أحدٌ إلى الله بأفضل مما افترض عليه.
وأيضًا ينبغي الحرص على تطبيق السُّنن في الرَّخاء ليُمكَّن منها العبد في الشِّدَّة، ولِيَأْلَفها، ولِيَتجاوز مرحلة الاختبار إلى مرحلة التَّلذُّذ بالطّاعة والعبادة، فيكُون لهُ نصيب من الذِّكر، ومن التِّلاوة، ومن الانكسار بين يدي الله - عز وجل - وكلُّ ذلك ليُعرف إذا احتاج فيما بعد، وليُكْتب لهُ هذا العمل إذا مرض وعجز عنهُ، فيستمر لهُ أجرُ هذا العمل، وتُجرى عليه حسناته.
وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين
قيمة الزمن
إن التفنن الذي تعيشه أمتنا رجالًا ونساءً في تضييع أوقاتها على الصعيدين العام والخاص ، أدى إلى أن يمضي العالم بدوننا إلى المستقبل ، واعتبارنا من أيتام التاريخ ، وإن لم يتحول هذا التفنن إلى تفنن في استغلال هذه الأوقات وإعمارها على الوجه الصحيح ، فستبقى الهوة بيننا وبين المستقبل كبيرة.
إن قضية قيمة الزمن ، ثمة قضية حضارية ، ولبعد غورها ، وكبير أثرها ، وشديد مساسها ، لا يكتفى في طرحها ومعالجتها بعقد مؤتمرات أو حلقات دراسية ، أو إلقاء محاضرات ، على أهمية ذلك وفائدته .
إنها تحتاج إلى أن ترضع مع لبن الأمهات ، وأن تكون في مسلك الآباء والمجتمع أفرادًا ومؤسسات ، واضحة المقصد ، سامية الهدف ، إن فئامًا من الناس كثير ، ظنوا أن العبادة مقصورة على شعائر محددة ، وبعضهم حرف مفهومها ، وحقيقة الأمر بخلاف ذلك ، إذ العبادة تشمل الدين كله ، وتشمل الحياة كلها ، وتشمل كيان الإنسان كله ، ظاهره وباطنه.
بل هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة
إنه بدون هذا المفهوم الجامع للعبادة لا يمكن للمرء أن يدرك قيمة الزمن وأهميته وبالتالي أن يغتنمه ، ويتوجه نحو إعماره ، فكان لزامًا أن يدرك الإنسان وجوده وإنسانيته ووظيفته ، فيعمر أوقاته كلها بطاعة الله تبارك وتعالى.
وليعلم أن العادات والمباحات ، إذا حسنت النية فيها ، صارت عبادات .
قال ابن القيم:"فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة ، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم ، وهو يمر أسرع من مر السحاب ، فما كان من وقته لله وبالله ، فهو حياته وعمره ، وغير ذلك ليس محسوبًا في حياته ، وإن عاش فيه عاش عيش البهائم ، فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة ، وكان خير ما قطعه به النوم البطالة ، فموت هذا خير له من حياته...."أ.هـ (1)
هذا ، وقد درج كثير من التربويين في طرح مثل هذا الموضوع بالحديث عن عوائق استغلال الوقت ، والعوامل المساعدة على استغلال الوقت والسبيل إلى القراءة بدون ملل ولا ضجر .
وقد كان الأجدر التنويع في الطرح ، تبعًا لاختلاف أجناس الناس ، وطبيعة التركيبات البشرية التي خلق عليها الإنسان . ومن هذا المنطلق أود في هذه العجالة ، أن أضع بين يدي القارئ الكريم ، قواعد في قيمة الزمن ، تجديدًا في طرح معالجة مشكلة ضياع الأوقات ، وأعد القارئ الكريم في المستقبل بشرحها وبيانها ،
وإليك القواعد: ــ (2)
1.الزمن هو أجل وأشرف ما يحصله العقلاء ، بإجماع العلماء .
2.من شرف الزمان أن العاقل يحرص على اغتنامه إلى حال النزع والذماء
3.الاشتغال بالندم على الوقت الفائت ، تضييع للوقت الحاضر .
4.التسويف عجز وكسل .
5.اعتقاد التفرغ من الشواغل في مستقبل الأيام ، وهم وسراب .
6.إنما تضيع الأزمان بصحبة البطالين.
7.إنما تكمل العقول بترك الفضول .
8.ترويح النفس بقدره ووجهه كسب للزمان ، والقلب إذا كل عمي.
9.دوام العطاء ولو كان قليلًا ، يكون منه ما يعجز.
10.من شغل نفسه بغير المهم ضيع المهم وفوت الأهم .
11.لكل وقت ما يملؤه من العمل .
12.لله في أيام دهرنا نفحات ، فالموفق من تعرض لها .
13.من طوى منازل في منازل ، أو شك أن يفوته ما جد لأجله.
14.بقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى .
وبالله التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين.
ـــــــــــــــــ
المراجع
(1) الجواب الكافي ، لابن القيم ص163
(2) سوانح وتأملات في قيمة الزمن لخلدون الأحدب ص27ــ 81 بتصرف
عبر وخواطر حول الصيفية
الخطبة الأولى
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان،
أمَّا بعدُ:
أيها المسلمون:
إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فبعد تعب وجهد وعناء تميل النفوس إلى التجديد والتنويع، وترنو إلى الترويح واللهو المباح دفعًا للكآبة ورفعًا للسآمة ليعود الطالب بعدها إلى مقاعد الدراسة بهمة وقادة، ويرجع الموظف إلى عمله بعزيمة وثابة ذلك أن القلوب إذا سئمت عميت.
والإجازة - يرعاكم الله - تجديدٌ للنشاط وإذكاء للحركة وصفاء للأذهان وترويض للأجسام وتعليل لها حتى لا تصاب بالخمول والركود، فيصبح جسمًا هامدًا وعقلًا غائبًا.
عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:"آخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً: فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ؟!."