إننا نعاني من فقدان هذا البعد في تفكيرنا حيث إننا أسرى اللحظة الحاضرة, ننظر دائمًا إلى ما تحت قدمينا, ولا ننظر النظرة البعيدة, وتظهر آثار هذه النظرة ونتائجها في أقوالنا, ومواقفنا, وأعمالنا.
إنك لو أردت أن تزرع بقلة من البقول فسوف تنتظر ثمرتها عن قريب, لكنك حين تزرع شجرة زيتون فلا يمكن أن تنتظر ثمرتها قريبًا, لأنك تعرف أنها تحتاج إلى مدة زمنية حتى تكبُر ثم تثمر, وهكذا سنة الله في الحياة.
إذا كان هذا الأمر في عالمنا المادي القريب فما بالك بما هو أبعد؟
مظاهر لغياب البعد الزمني في تفكيرنا
يغيب البعد الزمني في تفكيرنا ومن مظاهر ذلك:
في حياتنا الاجتماعية
لو قابلت إنسانًا تتمنى أن تكرمه, فدعوته إلى منزلك ثم قال لك: لا أستطيع اليوم, ليكن بعد غد, أو قال: لا أستطيع أن آتيك إلا بعد أسبوع أو أسبوعين, فإنك ستستبطئ الموعد, فكيف إذا قال لك: لا أستطيع أن آتيك إلا بعد شهر أو شهرين.
وفي مشاريعنا الشخصية
في مشاريعنا الشخصية كثيرًا ما نخطط ونتطلع إلى مدىً زمنيٍّ محدود قريب، قد يحتاج الإنسان إلى أن يفكر إلى ما بعد عشر سنوات أو عشرين سنة -إن أحياه الله عز وجل- فيرسم له صورة وهدفًا يريد أن يصل إليه, ويبدأ الآن وأمامه هذه المدة, لكن هذا الأمر يغيب كثيرًا عما نخططه لأنفسنا.
في علاج المشكلات
كلنا نعاني من مشكلات في أنفسنا, فقد أعاني من مشكلة تتمثل في سيطرة عادة سيئة عليّ - أيًا كانت هذه العادة -, أو هب أني إنسان سريع الغضب, أو لا أجيد التعامل مع الآخرين أو أني قليل الصبر أو عجل أو كسول, أي صفة سيئة أعاني منها, ثم اكتشفت هذه المشكلة في نفسي, فكيف أعالجها ؟
إن القضية ليست قضية معرفية وليست مجرد أن أعرف أن هذا السلوك غير صحيح حتى أتجنبه, وإنما أحتاج إلى جهد حتى أعود وأروض نفسي على أن أتجاوز هذه السلبيات.
بالأمس القريب (البارحة) كانت تحدثني فتاة تعاني من مشكلة مع والدتها, تقول: إنها تسئ التعامل مع والدتها، حيث تنفعل وتسئ لوالدتها ثم تتضايق كثيرًا حتى إنها تستيقظ في الليل ثم تبكي عند والدتها وتعتذر منها, وتلح عليها بالسؤال أنها إذا سئلت يوم القيامة هل كانت ابنتها بارة بها أم عاقة؟ فما ذا تجيب؟ لكنها لا تلبث أن تعود إلى ما كانت عليه.
وكانت تقول: إنني لا يمكن أن أغيِّر ما أنا عليه أبدًا!! فحاولت إقناعها فعجزت.
فقلت لها: أليس لك رغبة في التغيير؟
قالت: ليس عندي رغبة في التغيير.
قلت: لماذا اتصلت عليَّ إذن، وما هو السبب, فترددت قليلًا.
فقلت لها: دعيني أجيب عنكِ, إنك تعتقدين أنني قد أساعدك على حل هذه المشكلة فلذا اتصلت تعرضين عليَّ وتتحدثين عن قضية خاصة في حياتك الشخصية وتستشيريني فيها، وأنت تؤملين أن تجدي مني حلًا يمكن أن يساعدك على تجاوز هذه المشكلة.
أليس هذا هو دافع الاتصال؟
قالت: نعم.
قلت: إذًا هناك شعور ورغبة في التغيير.
قالت: إنني حاولت لسنوات طويلة ولم أتخلص من هذه العادة.
فسألت سؤالًا - وأتمنى أن يكون هذا السؤال قاعدة لنا في التعامل مع مشكلاتنا- هل الإنسان خرج من بطن أمه بهذه السلوكيات أم أنه اكتسبها؟
فأجابت: لا شك أنه اكتسبها، ولكن قد يكون وراثة.
قلت: ما يتعلق بوراثة السلوك جزء كبير منها نتاج تربية أكثر من أن تكون قضية وراثية فحسب، فليست القضية متعلقة بالجينات وأن هذا السلوك صار جزءًا من دم الإنسان, ولكن هب أنني ولدت مثلًا من أب يتصف بصفة من الصفات, فتربيت في أحضانه وعشت في هذا الجو، فمن الطبيعي أن أرث هذه الصفة، وإنما ورثتها تربية وتأثرًا وليس بالضرورة أنني ورثتها يوم أن ولدت.
فالسلوك الذي نملكه أمر اكتسبناه, وما دمنا اكتسبناه وتعودنا عليه فيمكننا منطقيًا أن نتعود على خلافه, لكننا نريد أن نحل مشكلاتنا في وقت قصير لا يمكن أن تحل فيه.
في المشروعات الإصلاحية
حينما نفكر في مشروعات إصلاحية على مستوى مجتمعاتنا إلى أي مدى تقف نظرتنا؟!
إننا دوما ندور في إطار محدود وقريب، لا نفكر في مشروعات على مدى عشر سنين أو عشرين سنة، فضلا عن أن نفكر فيما بعد جيلنا, إننا إذا كنا نعرف سنة الله في المجتمعات، وكيف تتغير، فالمفترض أن تكون مشروعاتنا الإصلاحية تهيئ للجيل اللاحق.
إننا نريد أن تصلح هذه المجتمعات التي نعيش فيها ما بين عشية وضحاها؛ ولهذا يسيطر علينا دومًا الخطاب العاطفي والحماسي, و هو الذي يستهوينا كثيرًا ونطرب لسماعه، وهو الذي نشعر أنه يسهم في إصلاح مجتمعاتنا.
إن الخطاب العاطفي المتزن مطلوب ولابد منه، وقد يحل مشكلات معينة؛ لكن لا يمكن أن يغير في المجتمعات, فمشروع إعادة بناء الأمة لا يكفي فيه خطاب يطالب الناس بالتوبة والرجوع إلى الله، وإن كان مطلوبًا ولابد منه ويسد ثغرة.
ومن خلاله وحده لا يمكن أن نغير قيم الناس وطريقة تفكيرهم، ولا يمكن أن نواجه التيار الوافد الذي يهاجم الناس, ولا يمكن أن نربي الناس تربية متكاملة.
فالبعد الزمني نفقده كثيرًا في تفكيرنا, وفي حياتنا الاجتماعية, ومشاريعنا الشخصية وكذا الإصلاحية التي نسعى إليها في مجتمعاتنا.
العوامل التي أدت إلى غياب البعد الزمني
هذه الطريقة في التفكير تولدت من خلال عوامل عدة لن أستطرد فيها - لأن ما بعدها من نقاط أولى بالحديث - لكني أشير إليها باختصار شديد.
العامل الأول: العجلة من طبيعة الإنسان
أن من طبيعة الإنسان العجلة كما جاء في كلام الله عز وجل (خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَل) [الأنبياء:37] . والله تعالى هو الذي خلق الخلق وهو أعلم بهم، لكن هذا لا يعني الاستسلام وعدم التخلص من العجلة؛ فقول الله عز وجل: (إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) [المعارج:19] لا يعني الإقرار لأن نتصف بالهلع.
العامل الثاني: ضغط الواقع
لواقع السيئ يشكل ضغطًا قويًا، فالإنسان الذي يحمل الغيرة في قلبه ويريد التغيير، يتضايق من هذا الواقع وما يراه فيه، وكل يوم يجد أمامه متغيرات وأوضاع سيئة جديدة, فلا يطيق ولا يصبر.
ويزيد من حدة ذلك الخطاب العاطفي السائد، فيبحث الإنسان حينئذ عن حلول قريبة، فإذا حدثته عن مشاريع لها بعدٌ زمني يراها الجيل الذي بعده، فلن يستوعب هذا الكلام بل لا يتلاءم مع الشعور الذي يحترق في داخله.
العامل الثالث: التربية
إن طريقة التربية التي تعودنا عليها وطريقة تفكيرنا هي التي غرست عندنا هذا النمط من النظرة القريبة المتعجلة، فتفكيرنا دائمًا بسيط محدود، والعمق في تفكيرنا غائب سواء على مستوى العمق في الأفكار أو على مستوى العمق في المدى الزمني, ولأجل ذلك ولَّد عندنا هذه النظرة.
يستحيل أن يتخلص الإنسان من العجلة نهائيًا, لكن المؤمل من الناس الذين يتطلعون للإصلاح في المجتمعات أن يعيدوا النظر في مدى تلاؤم نظرتهم للمدى الزمني مع الواقع, وهل هم يعطون مشروعاتهم الإصلاحية المدى الزمني الذي يتلاءم معها أم لا ؟!
لما ذا نحتاج إلى البعد الزمني؟
حين نطالب بأن يأخذ البعد الزمني مداه المناسب في تفكيرنا فإن الذي يدفعنا لذلك أمور عدة، منها:
نصوص القرآن الكريم
يقول الله تبارك وتعالى في سورة الأنبياء: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ) [الأنبياء:36] يخبر الله في هذه الآية عن الكفار أنهم كانوا إذا لقوا النبي صلى الله عليه وسلم استهزءوا به وسخروا منه.