(2) رواه البخاري. انظر: الصحيح مع الفتح ، كتاب صلاة التراويح ، باب رقم 1 ، حديث رقم 2008 ، ج 4 ، ص 778 .
(3) رواه البخاري. انظر: الصحيح مع الفتح، كتاب فضل ليلة القدر، باب رقم ه، حديث رقم 2024، ج4 ص 802.
رابعا: ليلة القدر
أما ليلة القدر، فهي جزء من شهر رمضان الفضيل، ومع ذلك فقد خصها الله سبحانه بالذكر، مما يدل على أهميتها وعظمتها، كيف لا وهي ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى، وهي الليلة التي نزل فيها القرآن الكريم، وهو الكتاب الذي لم تشهد الأرض مثله، في عظمته، وفي تأثيره على حياة البشرية.
يقول سبحانه عن هذه الليلة في سوره من السور القصار: { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } (1) { وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ } (2) { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } (3) { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ } (4) { سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } (5) .
وهي ذات الليلة التي جاء ذكرها في سورة الدخان: { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ } (6) { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } (7) ، وإنما سميت بـ"ليلة القدر"لعظمتها وشرفها وقدرها، من قولهم: لفلان قدر، أي منزلة وشرف. وقيل: لأن للطاعات فيها قدرا عظيما، وثوابا جزيلا. أو لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السنة القابلة، من أمر الموت والأجل والرزق وغيره. أو لأنه أنزل فيها كتابا ذا قدر على رسول ذي قدر، على
(1) سورة القدر الآية 1
(2) سورة القدر الآية 2
(3) سورة القدر الآية 3
(4) سورة القدر الآية 4
(5) سورة القدر الآية 5
(6) سورة الدخان الآية 3
(7) سورة الدخان الآية 4
أمة ذات قدر. وغير ذلك من الأقوال .
وهي معاني متقاربة يشملها جميعا المعنى الأول، فهي جميعا دالة على قدر هذه الليلة، وفضلها، وعظيم منزلتها.
وهذه الليلة من العظمة بحيث تفوق حقيقتها حدود الإدراك البشري، وهي خير من آلاف اللحظات الزمنية في حياة البشر، فكم من آلاف الشهور، بل وآلاف السنين قد انقضت دون أن تترك في الحياة بعض ما تركته هذه الليلة المباركة السعيدة، من آثار وتحولات (1) .
ولهذا فلا غرابة أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحثنا على تحريها في الفترة الزمنية التي تقع فيها فيقول لنا: « تحروا ليلة القدر، في العشر الأواخر من رمضان » (2) .
ولا غرابة في أنه صلى الله عليه وسلم يحثنا على قيام هذه الليلة مبينا عظيم أجرها، فيقول: « من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه » (3) .
(1) انظر: قطب، سيد: في ظلال القرآن، ج 6، ص 3945 .
(2) رواه البخاري. انظر: الصحيح مع الفتح، كتاب فضل ليلة القدر، باب رقم 3، حد رقم 2020، ص 790 .
(3) رواه البخاري. انظر: الصحيح مع الفتح، كتاب الصوم، باب رقم 6، حديث رقم 1901، ج 4 ، ص 608 .
وبعد ذلك، فهل هناك أفضل من هذه الليلة؟ وهل أعظم من هذا الأجر؟ فلنحرص على هذه الليلة، التي لا تأتي إلا مرة في العام.
خامسا: أيام التشريق
ذكر الله سبحانه فضل أيام التشريق في سورة البقرة، فقال: { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } (1) والأيام المعدودات، هي أيام التشريق، كما روي عن ابن عباس، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وغيرهم (2) .
قال القرطبي:"ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى، وهي أيام التشريق" (3) .
كما يدل على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق، تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي يصف فيها أيام التشريق بأنها أيام ذكر لله عز وجل، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: « أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله » (4) . وإطلاق الرسول للذكر من غير تقييده بشيء جاء مساويا لإطلاق الله اسم الذكر { وَاذْكُرُوا اللَّهَ } (5) ، مما يعد دليلا واضحا على أن الرسول عنى بذلك ذات
(1) سورة البقرة الآية 203
(2) انظر: الطبري: جامع البيان، ج 2، ص 302، 303، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج1 ، ص 232.
(3) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ، ج 3 ص 1 .
(4) رواه مسلم. انظر: صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب رقم 23، حديث رقم 1141،ص 658 .
(5) سورة البقرة الآية 203
الذكر الذي أشار إليه الله في كتابه الكريم، وعينه في الأيام المعدودات.
ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: « الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع، فقد تم حجه، أيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه » (1) . قال ابن رجب الحنبلي:"وهذا صريح لي أنها أيام"التشريق" (2) ."
أما بالنسبة لتحديد هذه الأيام، فهناك قولان رئيسان (3) :
الأول: أنها أربعة أيام، يوم النحر وثلاثة بعده. وهذا مروي عن ابن عباس وغيره.
الثاني: أنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها.
وعزا ابن رجب هذا القول إلى ابن عمر وأكثر العلماء. وقال عنه بأنه:"هو القول الأظهر (4) ."
وهذا ما أراه راجحا، وذلك كما قال القرطبي:"لإجماع الناس أنه لا ينفر أحد يوم النفر، وهو ثاني يوم النحر. ولو كان يوم النحر في المعدودات، لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم النفر؛ لأنه قد"
(1) رواه أحمد عن عبد الرحمن بن يعمر. انظر: ابن حنبل: مسند أحمد، ج 4: ص 310 .
(2) ابن رجب الحنبلي: لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ص 301 .
(3) انظرهما في: المرجع السابق، نفس الصفحة. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج3، ص 1 .
(4) ابن رجب الحنبلي: لطائف المعارف، ص 301 .
أخذ يومين من المعدودات" (1) ."
فالله سبحانه وتعالى لما طلب منا أن نذكره في تلك الأيام على وجه الخصوص، يدلنا ذلك على عظيم فضل هذه الأيام، وأن الأجر فيها مضاعف، والثواب أعظم، فلنحرص على ذكر الله في مثل هذه الأزمان التي عينها الله لنا.
وفي وصفه لهذه الأيام بأنها (معدودات) ما يشير إلى قلة عددها، وفي هذا ما يدفع المسلم إلى الحرص على الإفادة من هذه الأيام، والتوجه إلى الله فيها.
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 3، ص 1 .
سادسا: يوم الجمعة
أما يوم الجمعة، الذي هو يوم عظيم عند المسلمين، تقام فيه هذه الصلاة الجامعة، التي تمثل مؤتمرا أسبوعيا، يتناول هموم المسلمين وقضاياهم اليومية، ومواعظ تذكر بالله سبحانه وتعالى، فقد بين القرآن الكريم مكانة هذا اليوم وفضله، فنزلت سورة الجمعة توضح أهمية هذا اليوم من أيام الأسبوع. قال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (1) وأصل الجمع في اللغة: ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض. نقول: استجمع السيل، بمعنى: اجتمع من كل موضع، وتجمع
(1) سورة الجمعة الآية 9
القوم: اجتمعوا من هنا وهنا (1) . ومنه (الجمعة) ، سميت بذلك لاجتماع الناس إلى الصلاة (2) .
ويلحظ في الآية السابقة التأكيد على ضرورة أداء صلاة الجمعة في وقتها دون تأخير، حتى لو أدى ذلك إلى ترك الأعمال فور سماع ندائها.