فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 788

(1) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال عنه: ''رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، وفيه من لم أعرفهم، ومن عرفتهم، وثقوا''. وذكره بلفظ آخر عن أنس بن مالك، وقال فيه: ''رواه الطبراني ورجال إسناده رجال الصحيح، غير عيسى بن موسى بن إياس بن البكير، وهو ثقة''. انظر: الهيثمي: مجمع الزوائد، كتاب الزهد، باب التعرض لنفحات رحمة الله، ج 10، ص 231.

وكما ميز الله بعض الأزمان، فإنه ميز كذلك بعض الأماكن والبلدان على غيرها، كالبلد الحرام، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى وما حوله.

وهو سبحانه العليم بالحكمة التي لأجلها فضل زمن على زمن، وفضل مكان على مكان، فهي أمور ثابتة من الله، ولا يبطلها إلا إبطال من الله، كما أبطل تقديس السبت بالجمعة، فليس للناس أن يغيروا ما جعله الله تعالى من الفضل لأزمنة أو أمكنة أو ناس.

وأستعرض فيما يلي الأزمان الفاضلة في القرآن الكريم:

أولا: الأزمان المقسم بها

وهي الأزمان التي أشرت إليها في المبحث السابق، ولا شك أنها أزمان فاضلة، بدليل قسم الله سبحانه وتعالى بها.

ثانيا: الأشهر الحرم

قال تعالى: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } (1) .

فالأشهر الحرم إذا هي أربعة أشهر كما هو صريح النص القرآني"منها أربعة حرم"، ولكن أي أربعة هي من شهور السنة؟ هذا ما حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما وصلنا من

(1) سورة التوبة الآية 36

سنته الشريفة حيث قال: « إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر (2) .

قال عبد الغني النابلسي:"وقد أجمع المسلمون على أن الأشهر الحرم هي الأربعة المذكورة في هذا الحديث" (3) .

وسميت هذه الأشهر حرما لتعظيم انتهاك المحارم فيها، فالمعصية فيها أشد عقابا، وبالمقابل، فإن الطاعة فيها تكون أكثر ثوابا .

أما القول بأنها سميت كذلك لتحريم القتال فيها (4) ، مصداقا لقوله تعالى: { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } (5) فهذا منسوخ؛ لأن تحريم القتال فيها إنما كان في

(1) رواه البخاري. انظر: الصحيح مع الفتح، كتاب التفسير، باب رقم 8، ج 9، ص 221 .

(2) (1) الذي بين جمادى وشعبان »

(3) النابلسي، عبد الغني: فضائل الشهور والأيام، ص 68 .

(4) انظر: المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة. حجازي، محمد: التفسير الواضح، ج10، ص 49 .

(5) سورة التوبة الآية 5

أول الإسلام، إلا أن يقاتل المسلمون، ثم أذن الله تعالى في قتال المشركين في جميع الأوقات، فقال: { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً } (1) وبقيت حرمة الأشهر الحرم في تضعيف الأجور والأوزار فيهن، فقد خص الله تعالى هذه الأشهر بزيادة المنع فيهن عن الظلم (2) . ولذلك، فقد غلظ الإمام الشافعي -رحمه الله- في دية من قتل خطأ في الأشهر الحرم (3) .

وعلى ذلك، فإن قوله: { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } (4) عائد على الأربعة الحرم، وليس على الاثني عشر شهرا؛ لأنه أقرب مذكور؛ ولأن هذا هو مدلول الضمير (فيهن) في اللغة العربية.

وفي اختصاص الأشهر الحرم بالذكر هنا تشريف لها. وفي خصها بالنهي عن الظلم، مع أنه منهي عنه في كل زمان، مزيد من التشريف (5) . وجاء ذكر الأشهر الحرم في القرآن الكريم بصيغة المفرد الدال على الجنس فقال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ } (6) وقال: { جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ } (7) .

(1) سورة التوبة الآية 36

(2) البيهقي: فضائل الأوقات، ص 86 .

(3) انظر: الشافعي: الأم، ج 6، ص 47 كفاية الأخيار، ص 604 .

(4) سورة التوبة الآية 36

(5) الرازي: التفسير الكبير، ج 6، ص 41 القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 1، ص 135 .

(6) سورة المائدة الآية 2

(7) سورة المائدة الآية 97

فالمراد بالشهر الحرام في هاتين الآيتين، الأشهر الحرم الأربعة، إلا أنه عبر عنها بلفظ الواحد؛ لأنه ذهب بها مذهب الجنس (1) . ووردت آيتان يبين سبب نزولهما أنهما تدلان على أحد هذه الأشهر الأربعة، وهما:

قوله تعالى: { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } (2) .

فهي جاءت لتدل على شهر ذي القعدة الذي منع المسلمون فيه من دخول مكة، ولكنهم عادوا في العام المقبل، وفي نفس هذا الشهر (3) .

وقوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ } (4) ، وهذه نزلت حين قتل أحد المسلمين رجلا من المشركين في شهر رجب (5) .

وهاتان الآيتان وإن جاءتا للدلالة على شهر معين من الأشهر

(1) الرازي: التفسير الكبير، ج 4، 40 القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 6، ص 325.

(2) سورة البقرة الآية 194

(3) الواحدي: أسباب النزول ، ص 43 . الزمخشري: الكشاف ، ج 1 ، ص 119 .

(4) سورة البقرة الآية 217

(5) الواحدي: أسباب النزول، ص (51، 52) . ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج 1 ، ص 271 .

الحرم، نزلت فيه الآية، إلا أن مدلولهما ينسحب على باقي الأشهر الحرم الأخرى.

ثالثا: شهر رمضان

لم يرد في القرآن الكريم تصريح باسم أي شهر من شهور السنة، سوى شهر رمضان؛ وذلك في سورة البقرة في قوله تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } (1) .

وهذا الشهر تميز على غيره باختصاصه بعبادة جليلة، عبادة الصوم. ولعل من الحكم في ذلك هي أن هذا الشهر قد شرفه الله بنزول القرآن، وفيه فاضت على البشرية هداية الرحمن، ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء برسالة هي خاتمة الرسالات.

وأصل (رمضان) في اللغة مأخوذ من الرمض، ويعني: شدة وقع الشمس، يقال: أرمضه ورمض، أي أحرقته الرمضاء، وهي شدة حر الشمس . ومنه سمي رمضان"لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة" (2) .

(1) سورة البقرة الآية 185

(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 291 .

وفضل هذا الشهر عظيم، وثوابه جسيم، يدل على ذلك معنى الاشتقاق من كونه محرقا للذنوب، كما يدل عليه ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث كثيرة في فضل هذا الشهر العظيم، ومن ذلك:

قوله صلى الله عليه وسلم: « إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين » (1) . وقوله في حديث آخر: « من قامه إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه » (2) .

وفي هذا الشهر العشر الأواخر، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم: « إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله » (3) . وغيرها من الأحاديث الدالة على عظمة هذا الشهر.

فإذا كان هذا الشهر بهذه العظمة، والأجر فيه يضاعف إلى هذه الدرجة، أفلا نستثمره على الوجه الأكمل؟ وهلا حرصنا على كل ثانية منه لكي لا تضيع سدى؟

(1) رواه البخاري. انظر: الصحيح مع الفتح، كتاب الصوم، باب رقم 5 حديث رقم 1899، ج 4 ، ص 605 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت