وكان للمفكر الجزائري مالك بن نبي مقاربة متميزة في فهم شروط النهضة و أسس التنمية المطلوبة، وكذلك في فقه الصراع الفكري في العالم العربي، خاصة في كتابه"الصراع الفكري في البلاد المستعمرة"، ولعل أبرز ما قدّمه ابن نبي -بالإضافة إلى نظريته في شروط النهضة - هو مفهوم"القابلية للاستعمار"؛ والذي يقوم على فرضية أن الاستعمار هو محصلة ونتيجة منطقية للحالة الثقافية والفكرية وليس سببًا لها، والمشكلة هي في جمودنا وكسلنا وغياب الفعالية الحضارية، وليس الاستعمار والغرب.
الفكر الإحيائي:
وتلا المدرسة الإصلاحية والمحاولات المبكرة في هضم الثقافة الغربية، وتجديد الخطاب الإسلامي، مرحلة جديدة ظهر فيها الانقسام الفكري على أشده، وجاء أغلب النتاج الفكري والمعرفي لهذا الصراع الفكري قبيل الاستعمار، وفي المرحلة المبكرة من الاستقلال السياسي وظهور الأنظمة العلمانية في العالم العربي، وبدأ مع هذه المرحلة حالة الاستنزاف الشديد للفكر العربي في هذا الصراع والجدال الحاد حول هوية الدولة والمجتمع، وأثّر ذلك على مناهج الثقافة والتعليم والفن والأدب.
واجه الفكر الإسلامي هذا التحدي والصراع الجديد من خلال مجهودات ركزت على نقد الأسس الفكرية والمعرفية للحداثة الغربية وتصوراتها العامة في كافة مجالات الحياة، وبرزت في هذا السياق مساهمات أبي الأعلى المودودي في أغلب كتبه، وأيضًا الشهيد سيد قطب، وأخيه الأستاذ محمد قطب خاصة كتبه:"مذاهب فكرية معاصرة"،"الإنسان بين المادية والإسلام"،"جاهلية القرن العشرين"، وكُتب يوسف القرضاوي ومنها"الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا"، وكُتب الشيخ محمد الغزالي.
وقد أكّد الفكر الإسلامي في هذا النتاج المعرفي والفكري على عدة قضايا:
-التمييز في الحضارة والفلسفة الغربية بين البعد الفلسفي والبعد التقني والعلمي المحض، والدعوة إلى تجاوز الفلسفة الإلحادية والإفادة من التطورات العلمية التطبيقية.
-نقد الأسس المادية للحداثة الغربية، ولمناهجها العلمية والإنسانية، ومفاهيمها الحاكمة، ورصد آثارها المدمرة على الأمن الاجتماعي المبني على سيادة القيم والحفاظ على رأس المال الاجتماعي، الذي يستند على الدين الناظم لكل القيم الروحية والأخلاقية التي تحمي الإنسان من الفساد والانحطاط.
-عرض الفلسفة الإسلامية المقابلة للفلسفة الغربية، وبيان حالة التفوق الكبير للإسلام في تجاوز الخبرة الغربية أثناء التجربة المسيحية، وحالة الصدام بين العلم والدين والاستبداد الديني لرجال الكنيسة، وفساد التصورات المعرفية الكونية والاجتماعية للكنيسة.
وأغلب ما يميز المدرسة الإصلاحية / النهضوية السابقة عن المدرسة الإحيائية في مواجهة النظم العلمانية؛ أنّ المدرسة الإصلاحية لم تشهد صعود التيار العلماني بشكله الفض والرافض للقبول بالمنطلقات الإسلامية في السياسة والمجتمع و المعرفة والثقافة، وكذلك لم يشهد الفكر الإصلاحي الصراعات السياسية الحادة على هوية الدولة بين الحركات الإسلامية والنظم السياسية القائمة، الأمر الذي تطوّر إلى معارك دموية وحالة أمنية متعسرة واضطراب سياسي شديد، مما جعل الفكر الإحيائي أكثر تشددًا في مسألة الانفتاح، و أقل حرصًا على التجديد والتفاعل مع الحضارة الغربية، ودفع بالبعد الأيدلوجي ـ السياسي إلى الأمام، على حساب البعد المعرفي في محاولة الإجابة عن سؤال النهضة في الفكر و معضلة التخلف في الواقع العربي الحديث والمعاصر.
العولمة و الانكشاف الحضاري
مع انتهاء الحرب الباردة و أفول نجم الاتحاد السوفيتي و تضعضع مكانة ومصداقية المذهب الشيوعي؛ تأثر الفكر العربي بشكل كبير، وضعف بالتبعية الفكر الاشتراكي العربي، وأخذ عدد كبير من فلول المفكرين اليساريين يبحثون عن أيدلوجيا جديدة يتدثرون غطاءها بعد انكشاف عورتهم الفكرية و الفلسفية التي كانوا يجادلون عنها سنين طويلة، و لبس عدد كبير منهم ثوب الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان عندما وجدوه بضاعة رائجة في سوق المعونات والرشوة الأمريكية للمثقف العربي والمسلم، كما يرصد ذلك بموضوعية عزمي بشارة في كتابه"المجتمع المدني".
كما صدرت قراءات مستقبلية حول المرحلة القادمة من الصراع الفكري العالمي، كان أبرزها كتاب فوكوياما"نهاية التاريخ"والذي يزعم فيه أن التاريخ البشري قد وصل إلى نهاية كدحه الطويل؛ بحثًا عن الفلسفة الفكرية التي تحقق سعادة الإنسان و تكون القول الفصل في الجدال الإنساني الطويل في الفكر والفلسفة، وطبقًا لفوكوياما فإن الليبرالية والديمقراطية الغربية هي ذروة الفكر الإنساني ومحور خَلاصه وسعادته.
أما القراءة الثانية؛ فقد كانت للمفكر السياسي المعروف صموئيل هانتنجتون في كتابه"صدام الحضارات"، والذي يرى فيه أن المرحلة القادمة من الصراع العالمي ستكون مرحلة صراع ثقافي، وبالتحديد بين الثقافتين الإسلامية والغربية، وجوهر كل منهما المتركز حول الدين.
لقيت القراءتان السابقتان اهتمامًا كبيرًا في العالم، وكان لهما صدى واسع في العالم العربي، و أثارتا جدالًا كبيرًا، بيد أن المهم في الموضوع أن الفكر الإسلامي وجد نفسه أمام تحد واضح وكبير مرة أخرى، وهو مواجهة الحداثة الغربية، وقد جاءت هذه المرحلة بقوة وغزارة شديدة ترتدي ثوبًا جديدًا يطلق عليه"العولمة".
مفهوم"العولمة"- إذًا - ليس مفهومًا محايدًا؛ بل هو مفهوم محمّل ومثقل بالمضامين المعرفية والحضارية للحداثة الغربية، وخطورة العولمة أنها وسيلة قوية جدًا ومتطورة لنقل الحداثة والمشروع الغربي إلى أنحاء العالم، كما أنها تحمل قِناعًا تجميليًا فائقًا يقدمها في إطار من الإغراء الشديد للدخول والولوج إليها، وتصل محاولة تجنب التفاعل مع العولمة إلى درجة الاستحالة الحقيقية، إلاّ إذا اختارت أمة أو مجموعة أن تدخل كهفًا من الكهوف، وتعزل نفسها عن العالم وصولًا إلى الخلاص الروحي!.
ومما يزيد من صعوبة وخطورة تحدي العولمة أمام الفكر الإسلامي المواجهة العسكرية والسياسية بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة، والتي تفجّرت بشكل كبير مع أحداث 11 أيلول وما تلاها من تحديات، وظهور التيار الجهادي، مما يجعل من مهام الفكر الإسلامي - بالإضافة إلى التحاور مع العولمة- مواجهة حالة الإحباط والتشدد الذي تنتاب كثيرًا من أبناء الأمة الإسلامية في غضبهم الشديد، وحنقهم على الحالة السياسية الحرجة التي آلت إليها الأمور من تسلط وهيمنة خارجية أمريكية وتدفعهم إلى الغلو في رفض الآخر، والميل إلى الانغلاق الفكري حرصًا على التأكيد على الهوية والذات أمام روح التبعية والهزيمة التي تنتاب فئات كبيرة من المفكرين والساسة.
ومن دواعي استنفار الفكر الإسلامي - في هذه المرحلة - انكشاف الحالة الحضارية للعرب والمسلمين عن درجة عالية من الفشل في المشاريع التنموية، وعن فساد كبير في الممارسة السياسية العربية، وحالة متقدمة من خطورة الأوضاع الاقتصادية والثقافية في العالم الإسلامي، وما يرتبط بذلك من فقر شديد و بطالة ونسب مرتفعة من الحرمان، و الأمية وغياب الإنتاج العلمي، وضعف تدفق المعلومات، وإهدار كبير للثروات، ناهيك عن الأوضاع السياسية البائسة المرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة.