5 -انتباه المسلمين إلى المؤامرة التي طالت الأمة الإسلامية حيث تكالب الأعداء عليها وتحيزوا ضد أبناءها وظلموهم ظلمًا لا سبيل لرفعه إلا بتكاتف أبناء الإسلام حول دينهم، لأنه لا سبيل للعزة والنصر إلا بالعودة إلى تعاليم الإسلام والتزام شرعه، وقد أدرك المسلمون أيضًا كذب هؤلاء الأعداء حين رفعوا شعارات لا يؤمنون بها ولا يطبقونها على أنفسهم، كشعار الدفاع عن حقوق الإنسان، وشعار حرية المعتقد، وما إلى ذلك.
كل ما سبق كلام واقعي يمكن ملاحظته بسهولة بالاستقراء، ولكن السؤال هو التالي: ألا يلزم لهذه الصحوة دعائم وأسس؟ ألا يمكن للمسلمين اليوم أن يتراجعوا عن صحوتهم تحت أي شعار، وتحت أي ظرف؟
بلى، إن الصحوة تحتاج إلى دعائم، ودعائمها تكون بالعلم الشرعي وبالتمسك بكل ما جاء به الإسلام، بكل بنوده وأحكامه تنفيذًا لأوامر الله - عز وجل - الذي يحب أن يؤخذ الكتاب بقوة، فقد قال - سبحانه و تعالى - ليحيى - عليه السلام:"يا يحيى خذ الكتاب بقوة" [سورة مريم، الآية 12]
كما قال - عز وجل - لرسول الله - صلى الله عليه و سلم:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين" [سورة المائدة، الآية 67]
إن أي خلل في تبليغ الرسالة يهدد أبناء الأمة بالانحراف، ويهددهم بغضب الله وبالضلال الذي أصاب الأمم السابقة، والتي منها أمة اليهود التي أخذت ببعض الكتاب وكفرت ببعض، فقال - تعالى - فيهم:"ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون" [سورة البقرة، الآية 85]
وهذا الأمر هو للأسف ما يحصل مع بعض أبناء المسلمين اليوم الذين يريدون الالتزام ولكن بشروطهم وشعاراتهم وأفكارهم التحررية التي نقلوها من مذاهب فكرية دنيوية تدعو إلى النظرة إلى الدين نظرة معاصرة، وإلى فتح باب الاجتهاد للبحث عن أحكام شرعية جديدة ونبذ تلك الأحكام المستمدة من القرآن والسنة، وهم يعتقدون أنهم بفعلهم هذا يعملون على إيجاد حلول لمشاكل معاصرة لم تكن موجودة فيما مضى، والواقع أن هذه المشاكل التي يتحدثون عنها إنما هي ناتجة عن التمسك بأفكار ومبادئ بعيدة عن منهج الدين الإسلامي وهي بالتالي تخدم مخططات الغرب وأهدافه في هدم الدين الإسلامي على يد أبنائه.
ومما يثير التخوف من الكبوة والانهزام، هو أن هذه الصحوة ليست شاملة، فهي محصورة في منطقة دون أخرى، ومع أناس دون آخرين، حتى أنه قد يكون في البيت المسلم الواحد المسلم الملتزم والآخر المتحرر، البنت الملتزمة والأم المتحررة، والمؤسف أيضًا أنه فيما تمتلئ المساجد بالمصلين، فإن هناك أماكن أخرى تمتلئ أيضًا، هذه الأماكن هي أماكن اللهو وعلب الليل التي تعج بأبناء المسلمين الذين يضيعون أوقاتهم بالمعاصي وارتكاب الموبقات، وينبذون الدين وراء ظهورهم.
إن هذا التناقض ليس بمستغرب لأن الخير والشر في صراع دائم منذ بدء الخليقة، والشيطان وأعوانه يعملون جاهدين على تكثير أتباعهم إلى يوم القيامة حسدًا وكرهًا لبني آدم، فقد ورد في القرآن الكريم على لسان إبليس لعنه الله:"قال أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ لئن أخرتنِ إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلًا" [سورة الإسراء، الآية 62]
والمسلم ليس مطالبًا باقتلاع الشر من جذوره، إنما هو مطالب بالتبليغ والدعوة إلى الله - تعالى - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليرفع عنه الإثم ولتنطبق عليه صفة الخيرية التي قال الله - عز وجل - فيها:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" [سورة آل عمران، الآية 110] والتي توجب على من يريد أن يتصف بها على أن يعمل ضمن إمكانيته وقدر استطاعته على تحويل زمن الصحوة إلى زمن نصرة ورفعة قبل أن يسبقه أعداء الإسلام الذين يحاولون أن يثبتوا بأن الصحوة التي ورد الحديث عنها هي… مجرد خواطر.
الفكر الإسلامي في زمن العولمة ( 1 )
محمد سليمان أبو رمان
يعد سؤال الهوية من الأسئلة المحورية في الفكر العربي المعاصر، وقد شغل هذا السؤال كثيرًا من مداولات وسجالات المفكرين العرب، وأدخلهم إلى ميادين الصراع الفكري، وقسّمهم إلى فئات متنازعة حول الأصول الفكرية والمعرفية التي ينبغي أن تحكم مسيرة النهضة والتنمية، والخروج من كهف التخلف ومن ظلمات التيه.
وأخذ الصراع الفكري أشكالًا متعددة، ومر بمراحل مختلفة في العالم العربي في فترة العصور الحديثة، لكنه وصل اليوم مع العولمة إلى مرحلة متقدمة جدًا تمتاز بوجود أمريكي مهيمن على العالم، وحداثة غربية تنتقل وتسود بشكل كبير - مع تطور ثورة الانفوميديا -.
و يجد الفكر الإسلامي اليوم نفسه أمام تحديات كبيرة في عدة مستويات: مستوى نقد الحداثة الغربية، ومستوى مواجهة ظواهر التشدد والانغلاق والجمود الفكري في الداخل، ومستوى صوغ استراتيجية فكرية تدفع بالإنسان والمؤسسات في العالم العربي إلى المضي بفعالية و قوة في مشروع النهضة والتنمية وتجاوز مرحلة الانكشاف الحضاري السافر الذي وصلنا إليه أمام الآخر، والخروج من الفجوة الكبيرة بين حالتنا الحضارية ورصيدنا الحضاري الكبير..
المدرسة الإصلاحية:
بدأت أولى الجدالات حول مسألة الأصالة والمعاصرة، ودور الفكر الإسلامي في مواجهة التحديات الكبرى مع الحملة الفرنسية على مصر، وعودة الطلاب العرب الدارسين في الغرب، وجاءت أبرز المساهمات الرائدة في هذا المجال مع رحلة رفاعة الطهطاوي والذي سجّل ملاحظاته ورؤيته و استنتاجاته حول الحضارة الغربية في كتابه"تخليص الإبريز في تلخيص باريز".
ثمّ كانت أبرز المحاولات الفكرية في مواجهة التحدي الحضاري الغربي - و ما وصل إليه من فلسفة وعلوم ومعرفة وما صاحب ذلك من تقدم وتطور تكنولوجي - من قبل ما عرف بالمدرسة الإصلاحية (جمال الدين الأفغاني، عبد الرحمن الكواكبي، محمد عبده، رشيد رضا، علال الفاسي، ابن عاشور، ابن باديس) ، وقد تمركزت مجهودات هذه المدرسة في:
-الإطلاع على المعرفة والثقافة الغربية، وهضم أصولها، ودراستها دراسة نقدية.
-رصد الجوانب الإيجابية في المعرفة والثقافة الغربية، والعمل على الإفادة منها في المشروع النهضوي الإسلامي.
-رصد جوانب الخلل في المفاهيم الحاكمة في هذه الحضارة، وتنبيه المسلمين إليها، وإلى خطورة الوقوع فيها، خاصة الفلسفة المادية في النظر إلى الوجود والحياة.
-إعادة تفسير الإسلام ومصادره المعرفية وفق أسس جديدة تتناسق مع الأصول الفكرية والمقاصد الشرعية للإسلام، وتكون قادرة على الدخول إلى العصر بروح إسلامية متقدمة ومتجددة.
-تجديد الفعالية الحضارية و النهضوية الإسلامية، والعمل على استنهاض الشعوب للمساهمة والمشاركة في عملية التنمية والتحديث في العالم الإسلامي.