وبعد ذلك هل ترى صعوبة أيها الإنسان في صناعة الفلك ..؟ صناعة الفلك ليست بحاجة إلا عزيمة وإصرار ولكنها قبل كل شيئ هي بحاجة لقناعة .. قناعة تامة بأن من لم يركب الفلك سيُهلكه الطوفان . ولنا في سيرة من قبلنا دروس وعبر وإن ما حصل للآخرين قد يُصيبنا إن لم نتبع سُبل إصلاح النفس وتزكيتها بمرضاة الله وتقواه ، فإننا إن لم نعي خطورة الذي يحدث من حولنا من فلتان أخلاقي وإجتماعي ، فإننا بكل تأكيد سنضيع في الطوفان وما هذا الذي نراه على شاشاتنا التلفزيونية وفي شوارعنا وحتى أنه بدأ يتسلل إلى بيوت الكثير منا من حيث لا ندري لخير دليل على ما نقول ، لذلك فإن اليقظة مطلوبةٌ منا اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى فأعدائنا يتربصون لنا في كل منحنى وفي كل منعطف لأنهم وكما حدثنا الله عنه مقائلًا"وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ"إن أعداء ثقافتنا وعقيدتنا يتربصون لنا إن كنا لا نعلم ، ولا يُريدون لنا الخير أبدًا . وما مزاعمهم بأنهم جاؤوا لتحريرنا من بطش حكامنا إلا جديث أباطيل، لأن حكامنا موجودون بدعمهم لهم ..!!
إن الحاجة مطلوبة اليوم وأكثر من أي وقتٍ مضى إلى إتباع النهج الذي إرتضاه الله لعباده المؤمنين الذين سينجون من هذا الطوفان الذي بدأت ملامحه تظهر والذي لن يوقفه سوى رضى الله على عباده . ولكن هل من عاقلٍ يعتقد أن الله يرضى عن من يبارزه بالمعاصي ..؟ أو عن الذي يهجر كتابه أو يتخلى عن آياته..؟ إن الله رحمن رحيم يريد ، ولكنه في نفس الوقت شديدُ العقاب .إن الله يُريدمن الناس أن يفقهوا مصالحهم الدنيوية شريطة أن لاينسوا مصالحهم الأخروية . لذلك نقول للذين يؤمنون بالله وباليوم الآخر أن التنور لم يفر بعد لذلك سارعوا إلى صنع الفلك"وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ"
إن النوم لا يوقف عقارب الزمن ولكن النائمين وحدهم هم الذين لا يشعرون بالزمن . أما الذين يظنون أن القطار قد فاتهم وأنه لم يعد يجدوا الوقت الكافي لصناعة الفلك ، نقول لهم أن هذا تصور خاطئ ولا يجوز للإنسان أن يتصوره لأنه"إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ"يجب أن يكونوا على ثقة تامة أنه"لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ"فالله سبحانه لم يخلق الناس ليعذبهم بل ليرحمهم وليدخلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار .حتى أن بعض الذين يستكثرون ذنوبهم نقول لهم أن اله يقول لهم"وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ..."فلا تقنطوا من رحمة الله وسارعوا لصناعة الفلك ..الفلك ذات الصلاح والتقوى ....
وتلك الأيام نداولها بين الناس
محمد بن شاكر الشريف
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد:
فإن جمهرة الناس ينظرون إلى قوى البغي والعدوان الممثلة اليوم في أمريكا وحلفائها على أنها قوى شريرة تمتلك المال والعتاد لإهلاك الحرث والنسل ، وأن لا أحد على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الدول قادر على أن يوقف إرهاب تلك القوة التي تمتلك إمكانات لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية .
وينقسم الناس إزاء ذلك إلى فئات متعددة ؛ فمنهم الذي يبادر ويسارع في استرضاء أمريكا بتنفيذ سياساتها وإعطائها ما تريد ؛ على أمل أن تتفادى الانتقام الأمريكي أو الضربة القاتلة ، { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } ( المائدة: 52 ) ، ويجلس فريق آخر يائسًا بائسًا حزينًا كئيبًا لا يرى في الخلاص من هذا المأزق أملًا ، فيجلس ينتظر متى يحين دوره كما تبقى الشياه تنتظر سكين الجزار ، ويبقى فريق ثالث يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانًا حقيقيًا وصادقًا ، يؤمنون بما وعد الله ورسوله ، ويعلمون السنن التي يجريها الله تعالى في خلقه ، فهم يعملون بها ويتصرفون من خلالها ، ويغالبون قدرًا بقدر حتى يأتي نصر الله الذي وعد عباده المتقين: { فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ } ( المائدة: 52 ) .
إن علو أمريكا وحلفائها من قوى الشر والطغيان ؛ إنما هو دورة من دورات الزمن ، وإن الزمن لن يقف عند هذا الحد ، وإن التاريخ لن ينتهي بهذا المشهد بل ستمر دورات ودورات تحقيقًا لقول الله تعالى: { وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس } ( آل عمران: 140 ) .
من كان يظن عندما جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى توحيد الله العلي الكبير ، ونبذ الشرك وعبادة ما سوى الله تعالى ؛ بين ظهراني مشركي مكة وساداتها ، واشتداد أذى صناديد كفار قريش لمن آمن من المسلمين ؟!
من كان يظن أن بلال بن رباح ذلك العبد الأسود الحبشي الذي لا قيمة له في نظر المشركين ، والذي كان يُعذَّب في وقت الظهيرة في بطحاء مكة الملتهبة ، من كان يظن أنه سيرقى يومًا ما على ظهر الكعبة في وجود أشراف قريش وسادتها وهم ينظرون إليه ولا يملكون إلا النظر ، وهو يردد بصوته الجهوري الندي وهو آمن ما يكون: الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدًا رسول الله ... ؟!
هذه صورة وقعت في الماضي وغيرها كثير لم يكن أحد يتخيل حدوثها في ظل موازين القوى المختلفة بين الفريقين ، ففريق قوي مسيطر يملك كل شيء ، وفريق آخر ضعيف مستعبد لا يملك شيئًا ، ومع ذلك فقد حدث الذي حدث ، وسيحدث من مثله ما شاء الله أن يكون ، يدرك ذلك المتقون المؤمنون ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في مكة قبل الفتح ، عندما قال له بعضهم من شدة ما يلاقي من الأذى ولا يجد ما يكف به ذلك: ألا تستنصر لنا ، ألا تدعو الله لنا ؟
فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: « والله ! ليتمن هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله ، أو الذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون » [1] .
فهذا الصحابي لما رأى من شدة التباين في موازين القوى بين معسكر الإيمان الضعيف ماديًا في ذلك الزمان ، وبين معسكر الكفر القوي ماديًا ، ورأى من خلال المقاييس والحسابات المادية والتصورات العقلية أنه ليس بإمكان المسلمين النصر على العدو ، ورأى أن ذلك لا يمكن حدوثه إلا من خلال عقوبة إلهية ؛ طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم الدعاء والاستنصار ، وكان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا التصور الذي قد يدفع بعض الناس إلى الإحباط وفقدان الأمل ؛ يتمثل في أمرين:
الأول: التبشير بالنصر والتمكين ؛ وبغلبة الحق وأهله ، واندحار الباطل وجنده: « والله ليتمن هذا الأمر » .
الثاني: دعوته لهم بعدم الاستعجال ، حيث ينبغي عليهم الصبر والتحمل والعمل والجد والاجتهاد والجهاد: « ولكنكم تستعجلون » .