أيها المسلمون: ومهما كثر الحديثُ عن التلفزيون والبث المباشرِ فليس طويلًا، لأن الإحصاءات العلمية تثبت طول الساعات التي يقضيها المشاهدون أمام هذا الجهاز ولاسيما الأطفال والنساء، وهنا مكمنُ الخطر، افترض أيها الأبُ اللبيبُ أن يتولى تربية أهلك وأبنائك وبناتك غيرك، ولئن قلت إنك قادرٌ على تمييز الغثِّ من السمين أفترى أطفالك ونساءك كذلك؟ إنها أمانةُ التربية ومسؤوليةُ القوامة، وأنت مسئول عن رعايتها أو إضاعتها.
أيها الولي والمربي: ولا تظن أنك حين تجلب ( الدُّشَّ ) إلى بيتك توفر السعادة وتدخل الأنس إلى أفراد عائلتك، كلا فأنت متسبب في دخول اللصوص إلى بيتك، وأنت تعين الغزاة والمستعمرين وتمكنهم من مخاطبة فلذات كبدك.
أيها الأحبة: وليس هذا حديثًا مكتملًا عن البث المباشر بقدر ما هو إشارة إلى نوع خطيرٍ يُزْجي به بعضُ المسلمين أوقاتهم، وأنصح بقراءةِ الكتب المؤلفة عن البث المباشر وسماع المحاضرات النافعة في هذا المجال للتعرف على المخاطر ووسائل العلاج، والله من وراء القصد.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ) (فاطر:5 6) .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه كان غفارا .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأسأله المزيد من فضله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسوله، اللهم صلي وسلم عليه وعلى سائر المرسلين وعلى آله والمؤمنين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إخوة الإسلام: وثمةَ نوعٌ آخرَ من تزجية الفراغ وهدر الأوقات يمارسه البعض- ولاسيما في مثل هذه الإجازات- ولهذا النوع مخاطرهُ على الصغارِ والكبار، ألا وهو السفرُ إلى الخارج بهدف المتعةِ الرخيصةِ، وهروبًا من الرقابة المرئية، وبالرغم مما فيه من ابتزاز الأموالِ وهدرها، والمخاطر الأمنية وتعاظم خطرِها في هذه الأيام، ومخادعةِ النفسِ قبل خداعِ الآخرين، وضعفِ الوازع الديني وتناسي رقابة ربِّ العالمين، وتشويهِ الصورة عند الآخرين، ومزيد إتاحة الفرصةِ للشامتين بنا معشر المسلمين، والمشاركة في أحياء سوقِ الرذيلة، ووأد الفضيلة، وتحذير وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، بالرغم من ذلك كله وغيره من مخاطر السفر للخارج.
فقد ابتلينا بمؤسسات السياحةِ وشركات النقل والطيران التي باتت بعضُها ينافس في تقديم البرامج السياحة للخارج وتدعوا أبناءنا وبناتنا لقضاء إجازتهم خارج البلاد، نعم إنها دعواتٌ محمومة لم تقف عند حدود الرجال -مع خطورتها- بل شملت النساء، ولم تكن دعوةً في الخفاء، بل أصبحت أسلوبًا من أساليب الدعاية والإعلان يمارس ويصل إلى كل مكان، وإليكم نموذجًا لهذه الدعوات لتقفوا على الحقيقة بجلاء.
فقد وقعت يدي -عن طريق بعض الفضلاء- جزاهم الله خيرًا على قصاصة تحمل اسم (الأسواق في عددها السابع يونيو 1995م) وعنوانها الرئيسُ يقول: (إلى أمريكا وبريطانيا وفرنسا، دارُ الإيمانِ تنظم رحلاتٍ سياحية وثقافية للشباب هذا الصيف) .
وتحت عنوان كلامُ طويل وبيانٌ للبرامج وأنواعها ومددها، وأجتزئُ من المقالِ المقاطع التالية: (تنظم مؤسسة دار الإيمان السياحية الداخلية والخارجية هذا الصيف عدة برامج سياحيةٍ خارجية تتمثل في رحلاتٍ ترفيهية وتعليمية للشباب السعودي من الجنسين إلى كل من الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وفرنسا، تستغرق الرحلة الواحدة أربعة أسابيع، وتتضمن فقراتٍ سياحية وترفيهيةً وتعلم اللغات الأجنبية، وتستهدف أربع فئاتٍ من الشباب تصل أعمارُهم إلى ثمانية عشر عامًا… إلى آخر ما ورد في المقال) .
وأولُ ما يلفت النظر مسمى هذه الدار «دار الإيمان» ولست أدري أيُّ علاقةٍ بين الإيمان وبين الدعوة للسفر لبلاد الكفار؟ أهي مخادعةٌ للنفس أو محاولةٌ للتلبيس على الآخرين وفي سياق التلبيس والمخادعة يرد في ثنايا العرض أن تنفيذ هذه البرامج يتم في إطار التقاليد العربية الأصيلة ؟
وهذه العبارة وأمثالُها من العبارات التي تُذيَّل أحيانًا بالقول وفق تعاليم الشريعة الإسلامية، وفي إطار العقيدة السمحة حتى وإن كان العملُ في أصله وجوهره يتعارض مع الإسلام، هذه وأمثالُها باتت عباراتٍ مكشوفةً لا ينخدع بها إلا السُّذجُ من الناس - وإلا فأي اتفاقٍ بين تقاليدنا العربية- على حد تعبير المقال، وهذه البرامج المطروحة ؟ والعرب قبل الإسلام كانوا يئدون البنات ويدفنوهن حيات خشية العار (( وَإِذَا المَوْؤُودَةُ سُئِلتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلتْ ) ) (التكوير:9.8) .
وجاءت شريعة الإسلام لتنكر هذه العادة الجاهلية وتبقي على المرأة المسلمة مصونة العرض، محفوظة الكرامة، الحجابُ حليتُها، والقرارُ في البيوت شرفٌ لها، والتبرجُ والسفورُ عودٌ لجاهليتها: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَليْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) ) (الأحزاب:59) .
وقال تعالى مخاطبًا نساءَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرهن من باب أولى: (( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولهُ ) ) (الأحزاب:33) .
وفي ثنايا المقال توقع مديرُ المؤسسة أن تقل نسبةُ الفتيات المشاركات في هذه الرحالات، وعلل ذلك"بنظرة الأسرة السعودية إلى سفر الفتيات للخارج بعيدًا عن أسرهن"وهنا يحق لنا أن نتساءل فإن كان مديرُ المؤسسة يعتقدُ صحة هذه الشعور عند الأسرة السعودية ويشاركُها الرأي فيه، ثم هو يطرح مثل هذه البرامج التي تخدم ما يعتقده هو وغيره فتلك مصيبة، وإن كان يطرح ما يطرح مستهجنًا هذه النظرة، ويحاول هو وأمثالهُ تحطيم هذه القناعات وكسر هذه الحواجز، فالمصيبة أعظم والداءُ عضال، والغزو داخلي، وستبوء هذه المحاولاتُ بإذن الله بالفشل ما دام الوعيُ رائدنا، والأصالةُ شعارنا، والعزةُ بالإسلام منهجنا.
على أنني أتساءل مرة أخرى وما العلاقة بين الإيمان وبين هدي سيد الأنام- عليه الصلاة والسلام- وهو القائل: (( لا تسافر المرأةُ إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجلٌ إلا ومعها محرم ) ) [1] .
ألا وإن العلماء الذين يفتون بعدم جواز سفر المرأة بدون محرم للحجِّ وغيره من باب أولى مدعوون اليوم للفتوى في مثل هذه الدعوات لسفر المرأة للترفيه في الخارج؟
ومع ذلك كلِّه فلا تعني هذه الدعواتُ عدم خطورتها على الذكور ولاسيما للشباب في مثل هذه السن، وأنتم معاشر الأولياء مسؤولون عن أبنائكم وبناتكم ومن تحت أيديكم، تنبهوا لمثل هذه الدعوات وحافظوا على فلذات أكبادكم من الموبقات. ولا يقولن أحدُكم: إنني لا أستطيع السيطرة ولا أحكم الموقف، فقد رأينا منكم حزمًا وجدًا أيام الامتحانات مع البنين والبنات فهل يكون الاهتمامُ وقتيًا؟ وهل نخادع الله أم نخادع أنفسنا حين نستطيع الرقابة في حين ونعتذر بأعذار واهيةٍ في حين آخر؟