فهرس الكتاب

الصفحة 566 من 788

استمعوا إليها لتروا أن معظمها متعلق بالزمان والوقت: (حياتك قبل موتك.. شبابك قبل هرمك.. فراغك قبل شغلك.. صحتك قبل سقمك) . انظروا إلى الأوائل كلها متعلقة بالزمن.. كلها مربوطة بما يتيسر من هذا الزمان الممتد.

وهنا نستحضر الحديث العظيم عند الإمام البخاري في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم:

(نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) .

امتداد في الزمن، وقوة في البدن، وتكاليف تنزلت بها الآيات وشهدت بها ووجهت إليها الأحاديث وأمة مهيضة الجناح متأخرة عن ركب الأمم يحدق بها الأعداء من كل مكان وتحيط بها المكائد في كل وجه وصوب، ثم بعد ذلك ملايين من الأبناء والبنات والأسر من هنا وهناك ضائعون في فلك لا نهاية له.. سائرون في طرق لا تفضي إلى خير ولا إلى علم ولا إلى عمل ولا إلى تقدم أو نحو ذلك إنها قضية خطيرة.

يحسبون - أيها الإخوة - في مقاييس الإنجاز والعمل في الدول والشركات الدقائق والساعات، ويقولون: إذا حصل أمر من الأمور وتعطلت الأجهزة أو تعطل العمل لأمر أو لآخر لمدة ساعة فيقولون: إن هذه الساعة من عدد كذا من الموظفين أصبحت تشكل كذا من الساعات الإنتاجية وتقدر بكذا من الملايين، وتقدر بكذا وكذا، وأما نحن فنضربها ونحسبها ثم نهبها للفراغ ونهدرها في الهباء وننحرها بلا نفع ولا فائدة.

إنها المسؤولية المناطة بنا جميعا أنا وأنت وهذا وذاك.. إن الشباب والشابات والأبناء والبنات جزء عظيم من المسؤولية مناط بآبائهم وأمهاتهم، وسبل التربية والتوجيه وسبل اغتنام الأوقات وغير ذلك مما نعلمه، إضافة إلى مسؤولية المجتمع في كل دوائره المختلفة.

ولعلي أقف هنا وقفات سريعة وليس مقامنا مقام تفصيل فيما ينبغي عمله أو فيما ننكره ونحذر منه ولكها ومضات مهمة:

هناك أرباح وخسائر، وهناك رابحون وخاسرون متى يتضح ذلك؟ بعد نهاية الموسم وفي آخره، لكن هل ننتظر حتى يأتي آخر الموسم ونرى هل ربحنا أم خسرنا؟ أم نتنبه في أوله وبدايته حتى نأخذ الأسباب ونهيأ العدة، ونجتهد في أن نخرج من الموسم بأكبر ربح ممكن، بدلا من أن تكون الخسائر فادحة وليتها خسائر في جانب المادة فحسب.. إهدار للأوقات أو إهلاك للأموال أو غير ذلك، بل كثيرة هي الخسائر الفادحة من الإيمان الذي يضعف والحياء الذي يذبل، والهم التي تخور والعزائم التي تفتر، واللهو الذي يتمكن من النفوس، والعبث الذي يضيع العقول، والغفلة التي لا تنهض عزما ولا تقيم أملا ولا تحيي عملا في هذه الأمة.

أبواب الخير الكثيرة الخيرة مشرعة، واغتنموا لكم ولأبنائكم هذه الفرص من الوقت المتاح:

أولا: في ميدان القرآن الكريم:

المساجد التي تمتلئ بحلق التحفيظ، وكثير من الطلاب وأسرهم يقولون: ليس هناك وقت متاح في أوقات الدراسة! وإذا ذهبوا إلى المساجد فستضيع الأوقات عليهم عن الدراسة، وسيتأخرون فيها، فلنقبل منهم ذلك في أوقات الدراسة فماذا يقولون اليوم؟ وإضافة إلى ذلك الأبواب مشرعة في أنماط مختلفة متعلقة بالقرآن، فهناك الدورات القرآنية التي تتيح الفرص لتعلم القراءة والتجويد والتلاوة، ولحفظ الجديد ولمراجعة وتمكين المحفوظ القديم ونحو ذلك من الأمور الخيرة، إضافة إلى المسابقات القرآنية والمنافسات القرآنية العظيمة.. أبواب من الخير لو أننا أحسنا توجيه أبنائنا إليها ورغبناهم فيها لوجدنا تحقق موعود الله - عز وجل: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) } [القمر: 17] .

إنه يسير وإنه محبوب لا ينبغي أن نقول: (إنها إجازة فكيف نثقل عليهم بذلك) سبحان الله! هل في كتاب الله من ثقل على النفوس؟ هل فيه من هم أو غم على القلوب؟ أليس هو الذي تنشرح به الصدور؟ أليس هو الذي تطمئن به القلوب؟ أ ليس هو الذي تلتذ به الأسماع؟ أليس هو الذي تترطب به الألسنة؟ أليس هو الذي تعم به الخيرات والبركات؟ أليس هو الذي يبصر وينير العقول ويرشدها؟ أليس هو الذي يفتق الطاقات ويجعل المقبل عليه ذكيا فطنا، فضلا عن كونه زكيا نقيا طاهرا؟

لماذا نحرم أبناءنا؟ لماذا نقصر في حقهم؟ ونفرط في توجيههم إلى الخير الذي لهم؟ ولا نقول ليرتبطوا بالحلق أو بالقرآن ليلهم ونهارهم، فلا يكون عندهم فرصة لشيء من راحة، ولو قضوا ذلك في كتاب الله لما كان قليل. وباب آخر وهو: باب القراءة...

القراءة المجني عليها لا يعرف أبناؤنا كثيرا من كتاب ربهم، ولا من سنة نبيهم، ولا من سيرة مصطفاهم، ولا من صفحات تاريخهم، ولا من علوم شريعتهم، ولا من حقائق واقعهم، ولذلك تجد الطلاب وقد صاروا اليوم كأنما عقولهم ورؤوسهم فارغة حتى ما يقرؤونه في مدارسهم يقرؤونه ليفرغوه على أوراق الاختبارات، ثم يحاولون بكل جهد أن ينسخوه من عقولهم، وأن ينظفوها حتى لا يبقى فيها أي أثر من آثار تلك المعلومات والقراءات والفرصة سانحة والوقت متسع والمنهج لو أراد الآباء والأمهات ومؤسسات المجتمع والحكومة أن تبسط ميادين المنتزهات فحسب أين هي المكتبات؟ أين هي المسابقات؟ أين هي القراءات؟ أين هي المجالات التي ينبغي أن يأخذ بها أبناؤنا؟

وأستحضر هنا خبرا تافها سخيفا، لكنه أخذ حظا وافرا في وسائل الإعلام كلها قصة ابتكرتها امرأة إنجليزية قصة خرافية عن شخصية خيالية، وجعلت لها اسما ثم أصدرت لها كتابا فتلقاه القوم - وهم يقرؤون ويحبون أي شيء بالقبول العظيم - حتى توالت الأجزاء، وجنت هذه المرأة من هذه القصة ستمائة مليون جنيه إسترليني - كما يقولون - وعندما نزل الجزء الأخير نشر في الصحف أن المكتبات في بعض الدول الكبيرة المشهورة في بلاد الغرب سوف تداوم أربعا وعشرين ساعة حتى تلبي احتياجات الناس من الإقبال على هذا الكتاب.

قد نقول سخافة وقد نقول ضياع لكنهم يقرؤون وربما نجد سوق الكتاب وهو يشكو الحزن الأليم حتى إن ما يطبع باللغة العربية في العام الواحد لا يبلغ إلا خمس ما يطبع في بريطانيا وحدها فقط ويصدق حينئذ فينا قول أعدائنا إننا أمة لا نقر.

أنتم - معاشر الآباء - فضلا عن الشباب أليس في فرص الإجازات ميدان لنقرأ في السيرة.. لنقرأ في تاريخن.. لنقرأ ما ينفعنا لنعرف ما يجري حولنا وهذه قضية أخرى مهمة.

والثالثة: ميدان الترفيه:

وهو أيضا يمكن أن يكون نافعا ومفيدا، لقد كان لهو السابقين من أسلافنا لهو بالخيل، وكان نور الدين زنكي القائد العادل المقاتل المجاهد العظيم كان لعبه بالكرة على الخيل يعطفها يمنة ويسرة يقول: (ما أريد بها إلا الاستعداد للجهاد) .

وكم هي فرص الترفيه التي يمكن أن تكون نافعة ومفيدة، والمراكز الصيفية - بحمد الله - تقدم كثيرا من هذا النافع المفيد المثمر الذي يدخل السرور ويغير النفس، ومع ذلك يكسب المهارة الجديدة والمعلومة الجديدة والمعرفة الجديدة، إضافة إلى أجواء من الأخوة والتعاون وغير ذلك.

والعمل ميدان أيضا لاغتنام الوقت والاستفادة من الطاقات:

العمل للشباب والشابات في صور مختلفة ولو كان عملا ذاتيا ربما لا يكون له العائد المالي لكنه له عائد تربوي ونفسي.

والسفر وما أدراك ما السفر؟ وله في جانب السلبيات باب واسع، لكنه كذلك يمكن أن يكون نافعا ومفيدا إذا لم يكن في البلاد التي يعظم فسادها، ويكثر شرها وهي بلاد أعدائنا التي ننفق فيها أموالنا وغير ذلك من الأمور التي نعرفه.

وأبواب الخير في هذا كثيرة مشرعة، المهم أن نعرف أن الفراغ فرصة للعمل، وأن المسؤولية لا يستثنى منها شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت