وبدء صاحبنا يتساءل: إلى أي درجة يستطيع المرء أن يلقي بكل اللوم على الاستبداد السياسي لتفسير كل هذا التخلف وكل هذه الفوضى والقذارة؟ وإلى أي درجة يمكن الادعاء بعدم وجود مجال (لعملٍ) اجتماعي وثقافي يستصحبُ خصوصية الظرف وحساسيات المرحلة.. ولكنه يحيي الوعي في القلوب و العقول ويُنبِّهُ إلى خطورة مثل هذه الآفات؟
ولو أن هؤلاء المتورطين بممارسات التخلف والفوضى والاعتداء على حقوق القريب والبعيد من الناس بهذا الشكل المصغر، لو أنهم ملكوا أمر البلاد والعباد وتسنَّموا مسؤوليات الحكم والإدارة، أليس طبيعيًا أن ينقلوا عقلية التجاهل لحقوق الآخرين إلى المستوى الجديد الذي يتحركون فيه، فيكون الحال نفس الحال والمآل نفس المآل؟ وهل يتصور المرء أن ينقلب الإنسان من مثل تلك الحالة إلى حالة الوعي بحقوق الأمة أفرادًا وجماعات بقفزة واحدة، فيعمل على إحقاق الحق وإبطال الباطل ونشر العدل بين الناس؟... وأخيرا تساءل قائلا: تُرى ألا تبدو ممارسات الحكم والإدارة - على تعسفها وظلمها - أكثرَ منطقيةً وقابلية للفهم، بل وربما أكثر تحضرًا وضبطًا للأمور في كثير من الحالات؟..
إن أزمة العقل العربي والمسلم التي تُخَيِّلُ له أن العمل لتغيير واقع الأمة لا يمكن أن يتم إلا عبر (العمل السياسي) ، أو أنه - على الأقل - يجب أن يبدأ بالعمل السياسي، إنما هي أزمةٌ عامة تُعبِّر عن واقعِ حالِ كثير من الأفراد والجماعات، وإن عَبَّر مقالُهُم عن غير ذلك.. و إن إحداث تغييرٍ حقيقي في موقعٍ يتفنَّنُ أهله في مثل تلك الممارسات، أينما كان ذلك الموقع، وهو حال معظم المواقع الأخرى في بلادنا الممتدة للأسف، نقول إن إحداث تغيير حقيقي في مثل هذا الواقع إنما هو أقرب للأماني والأحلام..
إن للاستبداد السياسي حدودًا لا يملك تجاوزها بحال، ومواقعَ لا يُمكن أن يصل إليها على الإطلاق. وإن ذلك إنما هو من حكمة الله وسنته في الخلق، تحقيقًا لِعدْلِهِ المُطلق على الدوام، وهو عدلٌ يتركُ باستمرار منافذَ لحركة الإنسان على هذه الأرض، مهما أوحت الظواهر بغير ذلك، ومهما ظن البعض من بني البشر في أنفسهم جبروتًا زائفا أو قوةً موهومةً على كتم أنفاس عباد الله. لكن من كمال الحكمة الإلهية وروعتها أن جَعَلَ امتلاك مثل تلك القدرة الفذة على اكتشاف هذه المنافذ وتغيير الواقع من خلالها - بإرادة الله - منوطًا بحركةِ العقل البشري وتحرره وانطلاقه وسعة آفاقه وقدرته العجيبة على الإبداع والابتكار، ولم يجعله منوطا بالخوارق والمعجزات.
إن الاستفزاز والتحفُّز والحضور الفكري والعقلي والثقافي الذي تتطلبه مثل هذه الأحوال للتعامل مع الواقع، وصولًا إلى تغييره، إنما تُمثل قمة الرقي في قصة التجربة البشرية ومسيرتها لإعمار هذه الأرض وفق شروط الحق والعدل والخير والجمال. وإن العقل الوحيد المؤهل لهذه المرتبة إنما هو العقل الراشد المؤمن المتوكل، الذي ينطلق في حركته من مقاصد الدين وثوابته، ومن قراءةٍ واعية لتجارب التاريخ وعطاء التراث من جهة، ولخصوصية الحاضر من جهة ثانية، مستصحبًا فقه الأولويات، حاملا راية الاجتهاد و التجديد، و باذلا الوسع في نهاية المقام لاستخدام لغة العصر وأدواته وآلياته...
إن الاستبداد السياسي لا يُجبر الناس أبدًا على الحديث بلغة أجنبية (حتى في البيوت) ، أو على التدخين بشراهة وابتذال، أو على التفنن في مخالفة القوانين، أو على رمي القمامة في الشوارع.. وإذا كنا نُقِرُّ بالآثار السلبية للخيار الحضاري العام الذي تختاره السلطة السياسية، وبقوة آلتها الإعلامية والدعائية في نشر القيم الغريبة والتعتيم على القيم الأصيلة.. وإذا كنا نُقِرُّ بالأثر النفسي السلبي العام الذي يتركه الكبت والقهر في الشعوب، داعيا إياها للانسحاب تدريجيا من الحياة في روحها الأصيلة، والغرق في متاهات الضياع والفوضى واللامبالاة الكاملة.. إذا كنا نقر بكل ذلك، فإننا نرى في هذا الأمر بذاته مدعاةً للتحدي والاستفزاز الحضاري لدى الشرائح الأكثر وعيا ومعاصرةً وإيمانًا من أبناء الأمة، وهو تَحَدٍّ يتمُ التعامل معه عبر مُتواليةٍ من الإبداع والابتكار للأقنية والوسائل التي تُمكِّنُ من العمل في أوساط الأمة لمعالجة مثل تلك الظواهر الشاذة في هذه المرحلة. دون أن تتصف تلك الوسائل بالضرورة بالتعقيد المألوف، فربما تكون بعض الترتيبات العفوية الفردية أحيانا وسيلة العمل المثلى، والمهم في جميع الأحوال أن تُستصحبَ خصوصيةُ الظرف ويتحقق فرض الوقت، تمهيدا لمراحلَ تالية أكثر فُسحةً وحرية وانفتاحا.. وإن نجاح الشرائح صاحبة الاهتمام في مثل ذلك التحدي إنما يُعبِّر عن مشروعية الوجود والدور أولا، قبل أن يكون دليل الوعي والمعاصرة والفهم لديها..
وانسجامًا مع نظرية فرض الوقت، بدأ صاحبنا يتحرك في الدائرة الصغيرة من حوله في مجال العمل، فعمل أولا على كسب ثقة من فيها و اطمئنانهم إلى إخلاصه وصدق نياته، بل و تجاوز ذلك إلى كسب محبتهم واحترامهم، ثم إنه راح يعمل: فمن منطلق المحبة والاحترام، وبدعوى الحاجة الواقعية، اشترط عليهم مخاطبته بالعربية، لأنه لا يتقن اللغة الأجنبية التي يتحدثون بها. ثم أضاف إلى ذلك تحبيب العربية إليهم من خلال شواهد من القرآن والحديث وشعر العرب وطرائفهم وحِكَمِهم المشهورة، في كل مناسبة وعند كل حوار.. فوجد العديد منهم في أنفسهم قدرةً لم يكونوا يتوقعونها على الحديث بالعربية، وأحس آخرون بِجَمَالٍ في لغة القرآن لم يألفوه أو يفكروا به في يومٍ من الأيام..
ثم إنه اقترح على واحدٍ من أكثرهم استغراقًا في تدخين السجائر مشاركته في عمليةٍ حسابية بسيطة لمقدار ما أنفق في حياته من مالٍ على تلك العادة، وكان هذا الرجل من أكثرهم فقرا. فلما رأى المسكين الرقم انطلقت الفطرة من أعماقه وكان أول ما تبادَرَ إلى نفسه التساؤل عن إجابته الممكنة إذا سأله الله يوم القيامة - كما قال- لماذا لم يذهب إلى الحج، وتساءل إذا ما كان بإمكانه الادعاء يومها بأنه لم يكن يملك مؤونة ذلك!..
ونظر صاحبنا بعد ذلك في مكان العمل من حوله فرأى خروقًا لانهاية لكل شروط الأمن والسلامة العامة في مواقع مثل هذا العمل، فبدأ يشرح للعمال والمسؤولين خطورة هذه الأوضاع ويقترح عليهم طرقا بسيطة لتغييرها..
إن كل العبرة في القضية هنا إنما تتمثل في القدرة على اكتشاف المعاني والقيم الكبرى الكامنة وراء هذه التصرفات والأفعال، وامتلاك القدرة على رؤية امتداداتها الحساسة وارتباطاتها المباشرة وغير المباشرة بتكوين الشخصية الحضارية المعافاة في صحتها العقلية والجسدية، وهي الشخصية التي يمكن أن نقول أنها مؤهلة، مع الأيام، للمساهمة في عملية التغيير. إن التمكن من إبصار ملامح الفطرة والخير في أعماق الناس، وامتلاك القدرة على إحياء تلك الفطرة وإطلاق ذلك الخير، وإن التأكيد على حفظ مقدرات الأمة وطاقاتها من كل نوع، مما يُعد استثمارًا للمستتقبل الآتي، إن كل تلك الأمور تُعد مقدماتٍ أساسية يجب أن تَشغلَ حيزًا تستحقه من تفكير ودراسة أصحاب الاهتمام في هذه الأمة..