فهرس الكتاب

الصفحة 490 من 788

أما العادات والأعراف التي تنشئها الشريعة وتعتبرها من المحاسن أو تذمها وتعدها من القبائح ، فهذه لا تتبدل ولا تتغير بل هي ثابتة ، وفيما يلي عبارة الإمام الشاطبي التي شرح فيها هذه القضية [9] :

يقول ( العوائد المستمرة ضربان ، أحدهما: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها ، ومعني ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابا أو ندبا ، أو نهي عنها كراهة أو تحريما ، أو أذن فيها فعلا وتركا . والثانية: هي العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه وإثباته دليل شرعي .

فأما الأول: فثابت أبدا كسائر الأمور الشرعية .. فهي أما حسنة عند الشارع أو قبيحة .. فلا تبديل لها .. فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحا ولا القبيح حسنا .. إذ لو صح مثل هذا لكان نسخا للأحكام المستقرة المستمرة والنسخ بعد موت النبي (ص) باطل . فرفع العوائد الشرعية باطل )

أما الثانية فهي عند الشاطبي المتبدلة ثم ضرب لها أمثلة كما سقناها .

آراء معاصرة

ومع استقرار هذا الفهم لقاعدة تغير الأحكام بتغير الفتوى ، فقد توسع بعض المعاصرين في استعمالهم لها ، ومن الأمثلة على ذلك رأي الدكتور معروف الدواليبي الذي يشرحه في مقال له بعنوان ( النصوص وتغيير الأحكام بتغيير الزمان ) فيقول:

( إذا كان النسخ لا يصح إلا من قبل الشارع نفسه فهل يصح في الاجتهاد تغيير ما لم ينسخه الشارع من الأحكام وذلك تبعا لتغير الأزمان؟

إن جميع الشرائع من قديمة وحديثة قد أخذت بمبدأ جواز النسخ لما في الشريعة من بعض الأحكام ، تبعا لتغير المصلحة في الأزمان . غير أنها لم تأخذ بمبدأ السماح للمجتهدين بتغير حكم من الأحكام ما دام ذلك الحكم باقيا في الشريعة ولم ينسخ من قبل من له سلطة الاشتراع . وقد تفردت الشريعة الإسلامية من بين جميع تلك الشرائع من قديمة وحديثة ، بالتمييز ما بين المبدأين أولا وبالأخذ بهما ثانيا .

فلقد اعتبرت الشريعة الإسلامية النسخ لبعض الأحكام الشرعية حقا خاصا بمن له سلطة الاشتراع وأخذت به . أما التغيير لحكم لم ينسخ نصه من قبل الشارع فقد أجازته للمجتهدين ، من قضاة ومفتين تبعا لتغير المصالح في الأزمان أيضا ، وامتازت بذلك علي غيرها من الشرائع ، وأعطت فيه درسا بليغ عن مقدار ما تعطيه من حرية للعقول في الاجتهاد ، ومن تقدير لتحكيم المصالح في الأحكام . وهكذا أصبح العمل بهذا المبدأ الجليل قاعدة مقررة في التشريع افسلامي ، تعلن بأنه ( لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ) [10] .

فعلي رأي الكاتب الفاضل أن الشريعة الإسلامية تمتاز بالمرونة والطواعية في هذه الناحية علي غيرها من التشريعات ، فتجيز للقاضي أو المفتي تغيير حكم من الأحكام ، ولو كان هذا الحكم ثابتا بنص القرآن أو السنة ، تبعا لتغير المصالح بتغير الأزمان ، مع أن كثيرا من القوانين قديما وحديثا لا تتميز بهذه المرونة ، فلا يمكن لقانون وضعه مجلس تشريعي أن ينقضه أحد كائنا من كان ولو أحد قضاة المحاكم العليا أو رئيس الوزراء . ويقول أن ذلك أصبح في الإسلام قاعدة فقهية مقررة وهي أنه ( لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ) .

وقد شذ بعض المعاصرين وتطرفوا في توسيع قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان ، فألبسوا بسببها العلمانية ثوبا إسلاميا ، فجعلوا العبادات وحدها هي الثابتة في الإسلام التي يلتزم بها بالنصوص ، أما في غير دائرة العبادات فالباب مفتوح علي مصراعيه لتعديل النصوص وتغييرها ، وحذفها وإضافة غيرها . يقول الدكتور النويهي في مقاله بعنوان ( نحو ثورة الفكر الديني ) [11] .

( إن كل التشريعات التي تخص أمور المعاش الدنيوي والعلاقات الاجتماعية بين الناس والتي يحتويها القرآن والسنة لم يقصد بها الدوام وعدم التغير ولم تكن إلا حلولا مؤقتة ، احتاج لها المسلمون الأوائل وكانت صالحة وكافية لزمانهم ، فليست بالضرورة ملزمة لنا ، ومن حقنا بل من واجبنا أن ندخل عليها من الإضافة والحذف والتعديل والتغير ، ما نعتقد أن تغير الأحوال يستلزمه) .

ويعتمد هؤلاء المعاصرين لتأييدا رأيهم في تغير الأحكام الثابتة بالنص تبعا لتغير المصالح بتغير الزمان على بعض الحجج: منها رأي الطوفي في المصلحة ، ومنها اجتهادات عمر بن الخطاب ، التي يرون أنه لم يتمسك فيها بالتطبيق الحرفي للنصوص ، ومنها استبدال الشافعي لمذهبه العراقي القديم بمذهبه المصري الجديد [12] . ونتناول هذه الحجج فيما يلي بالمناقشة والنقد .

[1] انظر عوامل السعة والمرونة للشيخ يوسف القرضاوي .

[2] تفسير القرطبي ج /1 ص /45 ، دار الشعب القاهرة .

[3] انظر شرح النووي على صحيح مسلم ج/13 ص/129 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1392 .

[4] تفسير القرطبي ج/12 ص 48 .

[5] الأحكام في أصول الأحكام - ابن حزم ج/5 ص 771 - 774

[6] أنظر شرح المجلة - محمد خالد الأتاسي ج/1 ص 91

[7] إغاثة اللهفان لابن القيم ، دار المعرفة بيروت ن 1975 ، ج/1 ص 330 .

[8] ( تغيير الأحكام بتغير الزمان ) د. مصطفي الزرقاء - مجلة المسلمون ع/8 ص 891 ( 1373)

[9] أنظر الموافقات - للشاطبي ج/2 ص 283 وما بعدها

[10] مجلة المسلمون ع/6 اسنة الأولي ص 553

[11] مجلة الآداب ( بيروت ) عدد مايو 1970 ص 101

[12] راجع مقال معروف الدواليبي ( النصوص وتغير الأحكام ) - مجلة المسلمون ع/6 السنة الأولي ص 553 ومقدمة في إحياء الشريعة المحمصاني ص 67

رأي الطوفي في أثر المصلحة في تغير الأحكام:

لقد سبق القول إن الحكم الذي جاء به نص حكم ثابت لا يتغير لأن المصلحة التي يحققها مصلحة ثابتة لا تتغير، وقد ظل هذا هو الرأي السائد الوحيد بين الدوائر العلمية، لا يشذ عنه فقيه ولا يعرف أحد رأيا غيره، حتى نشرت مجلة المنار في أوائل هذا القرن رأيا مهجورا لأحد فقهاء القرن السابع الهجري، وهو نجم الدين الطوفي ذكرت المجلة أنه تحدث عن المصلحة بما لم تر مثله لغيره من الفقهاء [1]

فمن هو الطوفي هذا ؟ وما رأيه الذي شذ به عن بقية الفقهاء ؟

تذكر المصادر التي ترجمت لحياة الطوفي أنه كان من فقهاء الحنابلة ، وتصفه بالصلاح والفضل ، ولكن هذه المصادر ذاتها تلقي ظلالا علي انحراف منهجه في التفكير ، وتتهمه بالتشيع والرفض وسب الصحابة ، وتجعل ذلك سببا للثائرة التي ثارت عليه حين كان في القاهرة ، ومنها نفي إلي بلدة صغيرة . وإذا كان البعض يشكك في صحة ما اتهم به ويبرئ ساحته ، إلا أن كل الكتابات قديما وحديثا تتفق علي أن رأيه في المصلحة رأي شاذ ، لم يعرف قبله ولم يتابعه فيه أحد بعده إلا بعض المعاصرين [2] ، وقد يكون الشذوذ وحده ليس عيبا وإن كان في الغالب دليل الخطأ ، فهل كان رأي الطوفي في المصلحة مع كل تلك الظلال القاتمة في حياته ومع ذلك الشذوذ رأيا صائبا أم كان رأيا لا وزن له ؟

أوضح الطوفي رأيه في المصلحة في ثنايا شرحه لأحد الأحاديث الأربعينية وهو حديث لا ضرر ولا ضرار [3] وخلاصة رأيه أن المصلحة أقوى مصادر التشريع ، بل هي أقوى من النص والإجماع ، وأنه في غير دائرة العبادات والمقدرات فإن المصلحة تقدم علي النص والإجماع إذا عارضتهما .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت