فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 788

يقول ( واعلم أن هذه الطريقة التي ذكرناها مستفيدين لها من الحديث المذكور - حديث لا ضرر ولا ضرار - ليست هي القول بالمصالح المرسلة علي ما ذهب إليه مالك ، بل هي أبلغ من ذلك ، وهي التعويل علي النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات ، وعلي اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام .. فالمصلحة وباقي أدلة الشرع أما أن يتفقا أو يختلفا ، فإن اتفقا فيها ونعمت ، وأن اختلفا وتعذر الجمع بينهما قدمت المصلحة علي غيرها .. وإنما اعتبرنا المصلحة في المعاملات ونحوها دون العبادات وشبهها ، لأن العبادات حق للشرع خاص به ، ولا يمكن معرفة حقه كما وكيفا وزمانا ومكانا إلا من جهته ، فيأتي به العبد علي ما رسم له .. وهذا بخلاف حقوق المكلفين فإن أحكامها سياسية شرعية ، وضعت لمصالحهم فكانت هي المعتبرة وعلي تحصيلها المعول .. ولا يقال أن الشرع أعلم بمصالحهم فلتؤخذ من أدلته ، لأنا قد قررنا أن رعاية المصلحة من أدلة الشرع وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل النافع ) [4] .

ويسوق لرأيه هذا عددا من الأدلة منها [5]

1-أن النصوص إجمالا وتفصيلا قد بينت أن مقصود الله عز وجل من تشريع أحكامه تحقيق المصلحة ورفع الحرج . من ذلك مثلا قوله تعالي { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} - البقرة: 185 ، وقوله { ما جعل عليكم في الدين من حرج } الحج - 78 ، وقال عليه السلام (الدين يسر ) وقال ( بعثت بالحنيفية السمحة ) .

2-حديث لا ضرر ولا ضرار وهو واضح الدلالة في نفس الضرر والمفسدة وتقديم المصلحة علي جميع أدلة الشرع ، فإذا تضمنت بعض أدلة الشرع ضررا كان لا بد عملا بهذا الحديث من إزالة ذلك الضرر .

3-أن النصوص متعارضة مختلفة فلهذا تكون سببا للخلاف والتفرق ، أما المصلحة فأمر حقيقي لا يختلف فيه ، ولهذا فهي أولي بالتقديم علي النصوص .

4-أن المصلحة دليل متفق عليه أما الإجماع فدليل مختلف حوله فالتمسك بالمتفق عليه أولي من التمسك بما اختلف فيه .

وهذا مجمل ما عند الطوفي من أدلة علي رأيه ، ولكن تحليل هذه الأدلة بكل روية وتمعن يظهر فيها ضعفا وتناقضا لا يخطئه من له أدني إدراك بالأدلة وطرق مناقشتها .

1-فمما لا يختلف فيه اثنا أن النصوص دلت عموما وتفصيلا أن أحكام الشريعة غايتها المصلحة ، ولكن هذا دليل إثبات أنه حيثما وجد النص فثم المصلحة ، والله أراد من النصوص اليسر ولم يرد بها العسر ، وكل نصوص الدين ما جعل الله فيها من حرج وهي سمحة سهلة ، فكل أدلة الطوفي في أن المصلحة واليسر ورفع الحرج هي مقصود الشارع ، فهي دليل علي ضرورة التزام النص وتقديمه ، لأنه الذي يحقق المصلحة في كل الظروف .

2-وحديث لا ضرر ولا ضرار هو أحد الأدلة أيضا علي أن كل نصوص الشرع لا ضرر فيها ، وأن المصلحة متحققة منها دائما ، إذ كيف يقرر الرسول أنه لا ضرر وتكون بعض النصوص التي جاء بها سببا في الضرر . إن من يظن وقوع الضرر من تطبيق النص يقع في تناقض بين .

3-والاختلاف في تقدير المصلحة أمر واقع ، وهو اختلاف كبير واسع ، فالمصلحة ليست أمرا منضبطا يتفق عليه الناس وإلا لو كان الأمر كذلك لا تفق الناس في شرائعهم ونظمهم وطرق حياتهم وكل هذا ينقض ما قاله الطوفي من أن المصلحة أمر حقيقي متفق عليه .

4-والطوفي في عبارته عن تقديم المصلحة علي الإجماع متناقض جدا ، فهو يقول أن المصلحة متفق عليها والإجماع مختلف حوله ، فتقدم المصلحة لأنها متفق عليها ( فأصبح معني كلامه: الإجماع أضعف من رعاية المصلحة لأن رعاية المصلحة مجمع عليها والإجماع غير مجمع عليه ) [6] .

5-ومن الملاحظ أن الطوفي لم يأت بمثال واحد يرينا فيه كيف أن المصلحة عارضت النص وكيف تقدم عليها ، حتى نستيقن مما يقول ، وما ذلك إلا لأنه لم يجد مطلقا بعد طول الاستقراء والبحث حالة واحدة تعارض فيها المصلحة النص لأن ذلك التعارض أمر متوهم [7]

ولضعف أدلة الطوفي وشناعة رأيه حمل عليه كثير من المعاصرين حملة قوية . فيقول الشيخ أبو زهرة عن رأيه أنه ( رأي شاذ بين علماء الجماعة الإسلامية ) ويقول ( .. إن مهاجمته للنصوص ونشر فكرة نسخها أو تخصيصها بالمصالح هي أسلوب شيعي ، أريد به تهوين القدسية التي يعطيها الجماعة الإسلامية لنصوص الشارع . والشيعة الأمامية يرون أن باب النسخ والتخصيص لم يغلق لأن الشارع الحكيم جاء بشرعه لمصالح الناس في الدنيا والآخرة ، وأدري الناس بذلك الإمام فله أن يخصص كما خصص النبي(ص) لأنه وصى أوصيائه . وقد أتي الطوفي بالفكرة كلها وإن لم يذكر كلمة الإمام ليروج القول وتنتشر الفكرة ) [8] .

ويقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: ( .. وإن الطوفي الذي يحتج بالمصلحة المرسلة إطلاقا فيما لا نص فيه وفيما فيه نص، فتح بابا للقضاء علي النصوص وجعل حكم النص أو الإجماع عرضة للنسخ بالرأي، لأن اعتبار المصلحة ما هو إلا مجرد رأي وتقدير، وربما قدر العقل مصلحة وبالروية والبحث يقدرها مفسدة. فتعريض النصوص لنسخ أحكامها بالآراء وتقدير العقول خطر علي الشرائع وعلي كل القوانين ) [9] .

[1] المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي - مصطفي زيد ص 194 .

[2] راجع في ذلك المصدر نفسه ص 67 - 88 وضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية محمد سعيد رمضان البوطي - ص 202 - 206 وأنظر ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ج/2 ص 366.

[3] أنظر النص الكامل لهذا الشرح في ملحق كتاب المصلحة في التشريع الإسلامي لمصطفي زيد .

[4] ملحق كتاب المصلحة في التشريع الإسلامي - مصطفي زيد ص 235 و 238 و 240

[5] أنظر نفس المصدر ص 235 وما بعدها

[6] أنظر ( ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية ) - محمد سعيد رمضان البوطي ص 212

[7] أنظر ( ابن حنبل ) لأبو زهرة ص 359

[8] نفس المصدر ص 363

[9] مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه - عبد الوهاب خلاف - ص 101

اجتهادات عمر بن الخطاب

يقال أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يلتزم بحرفيه النصوص في عدد من اجتهاداته وفيما يلي اثنان من أشهرها:

1- ( اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قطع العطاء الذي جعله القرآن الكريم للمؤلفة قلوبهم ، كان في مقدمة الأحكام التي قال بها عمر تبعا لتغير المصلحة بتغير الأزمان ، رغم أن النص القرآني لا يزال ثابتا ) [1] .

ويقول النويهي عن ذلك:

( فأي شئ هذا إن لم يكن إلغاء تشريع قرآني حين اعتقد أن الظروف المتغيرة لم تعد تجيزه ؟ لكن هل يجرؤ علماؤنا وكتابنا علي مواجهة هذه الحقيقة الصريحة ؟ ) [2] .

ولكن هل صحيح أن عمر في هذه القضية غير حكما ثابتا بالقرآن ؟ إن سؤالا واحدا كفيل بوضع هذه القضية في موضعها الصحيح ، وهو هل وجد مؤلفة قلوبهم في عهد عمر أم لا ؟

فمن المعلوم أن مصارف الزكاة محدودة لأصناف ثمانية معروفة أوصافهم ، فإذا لم يوجد صنف منهم في أي عصر من العصور ، مثل عدم وجود صنف الرقيق ( في الرقاب ) في هذا العصر ، فكل ما يمكن أن يقال أن مصرفا من مصارف الزكاة موقوف حتى يوجد من يستحقه . فكل ما فعله عمر رضي الله عنه هو أنه حكم بعدم وجود صنف المؤلفة قلوبهم في عصره ، وليس ذلك إلغاء لتشريع قرآني ، وليس فيه تغيير لحكم ثابت بالقرآن لتغير الزمان ، فإذا وجد المؤلفة قلوبهم في أي عصر أعطوا وإذا لم يوجدوا لم يعطوا [3] .

2- ( ..اجتهاد عمر رضي الله عنه عام المجاعة في وقف تنفيذ حد السرقة علي السارقين وهو قطع اليد ... وفي هذا تغيير لحكم السرقة الثابت بنص القرآن عملا بتغير الظروف التي أحاطت بالسرقة ) [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت