فهرس الكتاب

الصفحة 513 من 788

كمال السعيد حبيب

حاولت الرجوع إلى أقرب قاموس لغوي لمطالعة معنى"هان"ويهون؛ ذلك لأن ما يحدث في الواقع العربي المعاصر أبعد بكثير كما نتصور عن معنى الهوان في القواميس اللغوية. وتدور معاني الكلمة حول الذل، والسهولة، والخفة، وكأن وضع اللغة العربية كلغة كريمة عزيزة تعرضت باستحياء لمعنى الهوان لحد أنني وجدت صعوبة في العثور عليها، ولأنني مهتم بأن مدخل اللغة هو أحد أهم المداخل لفهم الواقع السياسي والاجتماعي؛ فإن مادة"هون"تعطيك تفسيرًا لما يجري وما جرى في قمة شرم الشيخ والعقبة فالقاموس يقول"هان فلان"أي ذل، وهان الشيء على أهله أي سهل عليهم وخف فهو هين، وهون الشيء أي سهَّله وخففه، وهون الأمر أي استخف به، وتهاون بالأمر أي استخف به أيضًا. فأنت تجد أن معنى الهوان يجسد في الواقع بأكثر مما شرحته اللغة وفسرته، فالهوان العربي أي الذل الذي يجعل القادة العرب لا يملكون مقاومة من يستهين بهم إلى حد أن يعظم ويمجد آلام العدو وقيمه كما فعل"محمود عباس"حين تحدث عن آلام اليهود وعذاباتهم دون أن يشير إلى عذابات قومه وآلامهم أو دون أن يشير إلى أن هذه العذابات هي بسبب ممارسة الوحشية ضد أهله وبني قومه.

ثم الهوان والذل مرتبط أقوى ارتباط بالتفريط والاستسهال؛ فالذليل لا يمكنه المدافعة ولا المقاومة كما أنه لا يشعر بقيمة ما يملكه، وإذا شعر فإنه لا يملك إرادة الدفاع عنه. وأنت تلاحظ ذلك في قمة شرم الشيخ والعقبة حيث التفريط والاستسهال من الجانب العربي إلى حد لا يمكن تصديقه، فأبو مازن يتحدث عن ضرورة إنهاء"عسكرة الانتفاضة"، والرئيس المصري يتحدث عن"ويلات الإرهاب الموجه ضد الإنسانية"، و"رفض ثقافة التطرف والعنف في أي شكل كان"- فأي استسهال أكثر من هذا.. وهو استسهال يصل إلى حد التبعية الفكرية والقيمية للعدو حتى تبدو كلمة"الإنسانية"وكأنها ضد الإنسان العربي والفلسطيني؛ فلماذا الإرهاب الموجه ضد الإنسانية..؟ وماذا عن الإرهاب الصهيوني الموجه ضد الإنسان الفلسطيني بعامة، من الطفل الذي لا يزال في رحم أمه؛ وحتى الشيخ الهرم الذي كاد الموت أن يقبضه؟ الإنسانية هنا كلمة مراوغة تعني الإنسانية من المنظور الأمريكي والصهيوني؛ فالإنسان هو الرجل الأبيض الذي يدين بالمسيحية واليهودية.

إنها مركزية"الأنا"ذات الطابع العنصري الاستيطاني الوحشي الذي دشنته أمريكا ضد الهنود الحمر ثم الصهيونية في فلسطين. إننا بإزاء حالة نفسية عربية جوهرها شعور عميق بالذل والحقارة صاحبها استسهال لكل القيم العزيزة والغالية؛ بل واستخفاف بها.. لم يعد شيء يستحق أن نناضل من أجله أو نحافظ عليه بعد شعورنا بالذل والحقارة.. هكذا النفسية العربية التي تعاملت مع واقع قمة شرم الشيخ والعقبة لحد أن هذا الشعور بالذل والاستسهال والاستخفاف جعل"بوش"يتعامل مع القادة العرب بروح بيت الشعر العربي"من يهن يسهل الهوان عليه".

وفي الواقع فإن خارطة الطريق هي خريطة"تعميق"الهوان العربي، وكأن الأمريكان والصهاينة يؤسسون لمدرسة الهوان العربي التي لا تعرف المقاومة ولا تملك روحها، التي تسترخص كل الأشياء فإذا بها تهدرها حتى دون أن يطالبها عدوها بذلك. فأي دولة تلك التي يتحدث عنها"بوش"وهي فضلًا عن كونها شيئًا غائمًا لا يزيد عن 6% من مساحة أراضي الضفة وغزة فإنها قادمة عام 2005م وإلى جوارها دولة يهودية مفعمة بالحياة والحيوية كما تجرأ بوش وأعلن ذلك في قمة العقبة. إننا في العالم العربي بإزاء عالمين من القيم.. قيم العزة والكرامة والتضحية من أجل حياة الأمة وبقائها، وقيم الهوان والاسترخاص والاستسهال والذل والشعور بالحقارة وأنه لا مستقبل وراء مجرد المصالح والكراسي والبقاء الفردي الذاتي. وتقف أمريكا لحماية من ينشرون معاني الهوان ضد الذين يقاومونه.

قمة شرم الشيخ:

كان الشعب المصري ولا يزال ضد"مقدم"بوش الابن الأول إلى مصر وهو ضد ما جاء لتدشينه في"شرم الشيخ"، التي أصبحت عنوانًا على المطبخ الخلفي الذي تملى فيه إرادة الأعداء وتحاك فيه المؤامرات والبيانات ضد قيم الأمة العربية والإسلامية. عنوان شرم الشيخ هو تعبير عن العزلة وتعبير عن الهوان والاستسهال أيضًا؛ ففي عام 1996استضافت شرم الشيخ قمة مثلت أول جبهة عالمية ضد المقاومة الإسلامية في فلسطين ووصفتها بالإرهاب، وبعدها بدأت حماس عملياتها الاستشهادية لتأكيد حقها في المقاومة والدفاع والمدافعة، وتأتي قمة شرم الشيخ في 3 يونية لتتماس بقوة مع قمة شرم الشيخ الدولية عام 1996ولكن هذه المرة بحضور عربي وإملاء أمريكي، أي أن أهل البيت العربي نفسه هم الذين يملكون الطرف الرئيس في اعتبار المقاومة ضد المحتل إرهابًا، لا ليس هذا فقط بل وكما قال الرئيس المصري في بيانه:"سنستخدم قوة القانون لمنع وصول الدعم إلى المنظمات غير الشرعية بما في ذلك الجماعات الإرهابية"، والمعلومات تشير إلى أن"بوش"حاول فرض ذكر"حماس"و"الجهاد"بالاسم لكنه لم يفلح في ذلك لأن الدول العربية لا يمكنها في بيان رسمي أن تعتبر"حماس"و"الجهاد"منظمات إرهابية لأنها منظمات مقاومة مشروعة وهي التي تحمي الأمن القومي العربي بما في ذلك أمن مصر على الجبهة الشرقية. وكما هو معلوم فإن قمة شرم الشيخ والتي حضرها من الجانب العربي، السعودية والبحرين ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية ممثلة في محمود عباس ظلت معلقة لمدة ساعتين لمقاومة الضغوط الأمريكية التي فرضت إملاءاتها على الحكام العرب، ووصف"بوش"بأنه جعل مجريات الأمور في قمتي شرم الشيخ والعقبة تسير على هدى ما يفعله راعي البقر مع ماشيته، وتحدثت تقارير صحفية عن أن بوش قال وهو في طريقه إلى الدوحة للصحافيين على طائرته الرئاسية:"استخدمت تعبير راعي القطيع ولا أعلم ما إذا كان أحد فهمها في الاجتماع الأول".

ومن المثير للأسى أن يرفض السفاح شارون الحضور إلى شرم الشيخ حتى لا يمنح جائزة إلى مصر، حتى لا يعزز دورها في عملية التسوية السياسية؛ ففي صحيفة"يدعوت أحرنوت"تحدثت عن كواليس القمة وقالت:"مبارك استلم إشعارًا من واشنطن وأعلن على الفور"ليس عندي مانع من استضافة شارون في شرم الشيخ"؛ إلا أن أحد مساعدي بوش صرح بأن عقد القمة هو جائزة للمستضيف وبالتالي تقرر تقسيمها مناصفة بين مبارك والملك عبد الله، مبارك حظي بشرم الشيخ بسبب دوره في الوساطة الفلسطينية لوقف العمليات، أما عبد الله فقد حظي بجائزته إثر التسهيلات التي قدمها للأمريكيين خلال حربهم في العراق، وتتحدث صحيفة هاآرتس عن أن السفاح رفض الذهاب إلى شرم الشيخ حتى لا يسهم في تضخيم قوة مبارك، ولأن مبارك وعده بزيارة مصر بعد تشكيل الحكومة لكنه لم يف بوعده مما أغضب السفاح."

وحاولت أمريكا أن تفرض عملية تطبيع كاملة بين الدول العربية بما في ذلك السعودية كهدنة للكيان الصهيوني لكن العرب تحدثوا عن أن مبادرة ولي العهد السعودي تتضمن ذلك، وتتحدث المصادر عن أن مصر والأردن يختاران سفيريهما للعودة ثانية إلى الكيان الصهيوني، وقال مبارك إنه لا يوجد أي مشكلة في تعيين سفير جديد لإسرائيل طالما أن هناك بوادر عملية لتطبيق خريطة الطريق الأمريكية.

بيانات شرم الشيخ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت