فهذه رسالة قيمة مفيدة كتبها أحد إخواننا الطلاب تشتمل على جملة من آداب طلب العلم ، وفضله ، وكيفيته ، فأحث إخواني الطلاب الاستفادة من هذه الرسالة بقراءتها وتطبيقها .
أسأل الله عز وجل أن يجزي كاتبها خير الجزاء ، وأن يعظم له الأجر والمثوبة وأن ينفع بها من كتبها وقرأها إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ..
د.خالد بن علي المشيقح
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
أما بعد:
أخي المبارك: طالب العلم
اعلم يقينًا أن من نعم الله عز وجل عليك التي لا تعد ولا تحصى كما قال عز وجل:
)وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ( ، أن وفقك ويسر أمرك من بين خلق كثير إلى طلب العلم ، وهداك لأن تكون من ورثة الأنبياء والمرسلين .
وإن علامة توفيق الله عز وجل لك قوله صلى الله عليه وسلم:"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"، فأحمد الله عز وجل على هذه النعمة العظيمة والمنقبة الجليلة ، فكم من أناس يعيشون ويتقلبون في عالم مظلم يحيطه الجهل والشرك بالله وتلفه الذنوب والمعاصي ، ولا تنفك عنهم إلا إذا أراد الله بهم خيرًا ورحمهم فإنه أرحم الراحمين .
أخي طالب العلم .. يارعاك الله:
إن أمة الإسلام أمة نبينا محمد r خير البشر أجمعين لتنتظر منك عطاء غير مجذوذ لا يتوقف بل تتدفق منك ينابيع الخير والعطاء وتشرق من وجهك المبارك أنوار العلم والتقى والعبادة ، فتعلم الناس وترشدهم وتفقههم في أمر دينهم ، وما يصلح به حالهم ، فإن طالب العلم ينبغي ألا يكون سلبيًا بل إيجابي يحمل هم الأمة كما قيل ( كبير الهمة من يحمل هم الأمة) ، ويتحمل هم تعليم الناس ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، بفضل ربهم ، وينبغي أن يؤدي طالب العلم زكاة العلم فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال:"بلغوا عني ولو آية".
فهلم أخي المبارك نزاحم العلماء في حلق الذكر ننهل من علمهم ونتحلى ونتزين بسمتهم وكريم سجاياهم وأخلاقهم فهم أهل التقى والصلاح ولهم الفضل بعد الله تبارك وتعالى .
والله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجمعنا بهم في روضة من رياض الجنة إخوانًا على سرر متقابلين .. اللهم آمين ...
ولقد تكرم شيخنا الشيخ: خالد بن علي المشيقح حفظه الله - آمين- بالإجابة على بعض الأسئلة التي تهم طالب العلم في مسيرته العلمية التي أسأل الله أن يوفق إخواني الطلاب وأن يكونون نجومًا يهتدي بها الناس في عالم قل فيه الوازع الديني في نفوس الناس وكثرة الشركيات والذنوب والبدع .
وأسأل الله عز وجل أن يجزي شيخنا خير الجزاء فلقد عكف الشيخ حفظه الله على تدريسنا في جمع الفنون وتبسيطها لنا كالفقه وأصوله والحديث وعلومه والتفسير والعقيدة وغيرها فجزاه الله خيرًا وأجزل له المثوبة والأجر .
ولقد أردفت في آخر الرسالة كلام للشيخ محمد العثيمين رحمه الله في الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يحذر منها وبعض المواضيع الأخرى من كتابه المبارك كتاب العلم ، وكذلك أهمية السنة والتمسك بها للشيخ أبو بكر الجزائري من كتابه منهاج المسلم .
وختامًا أسأل الله عز وجل أن ينفع إخواني طلاب العلم بهذه الرسالة وأن يجعلها خالصة لوجه الكريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ..
وكتبه
طلال بن مشعل الشمري
مساء يوم الأحد
25/1/1426هـ
بيان فضل العلم وأهميته
العلم من أفضل العبادات وأجل القربات وهو طريق من طرق الجنة وقد تكاثرت النصوص الشرعية بفضله وعظم أجره من كتاب الله وسنة رسوله r ، وأقوال صحابته ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
فمن القرآن قوله عز وجل ) قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ( .
فنفى الله عز وجل المساواة بين العالم في كتابه وسنته وبين الجاهل في ذلك ، وقال سبحانه وتعالى )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ و ( ، فأهل العلم مرفوعون على غيرهم بدرجات ، وقال سبحانه وتعالى ) وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا( فما أمر الله عز وجل بالاستزادة من شيء إلا من العلم ، وأما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فكثيرة فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"، ومن ذلك قوله:"من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة"، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام:"وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع".
وقال بعض السلف: لا أعلم رتبة بعد النبوة أرفع من رتبة العلم.
وابن القيم ذكر مفاضلة بين طالب العلم وطالب المال ، ففضل طالب العلم على طالب المال بأكثر من سبعين وجهًا ، من ذلك أن العلم يحفظ صاحبه ، وأم المال فصاحبه بحاجة إلى أن يحفظه .
ومن ذلك العلم ميراث الأنبياء ، أما المال ميراث الملوك ، ومن ذلك أن العلم يكون مع صاحبه حتى بعد مماته أما المال فإنه إذا مات صاحبه فإنه يرجع ويقتسمه الورثة إلى آخر ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى ، ففي هذه النصوص التي أوردنا ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، بفضل العلم وعظم منزلته عند الله وحث على التمسك به وطريقه والاستزادة منه ، والله أعلم ..
السؤال الأول:
كيف يوازن طالب العلم بين طلب العلم والدعوة إلى الله ؟
العلم الشرعي والدعوة إلى الله عز وجل متلازمان ، فإن الدعوة إلى الله عز وجل ثمرة من ثمار العلم الشرعي ، ونتيجة من نتائجه ، والعلم الشرعي لازم من لوازم الدعوة إلى الله عز وجل ، والدعوة إلى الله من تعلم العلم الشرعي ، وطالب العلم بإمكانه أن يوازن بين العلم الشرعي والدعوة إلى الله عز وجل ، بحيث إذا كان مبتدءًا فإنه يجعل جل وقته لتعلم العلم ، بالحفظ والمذاكرة والمراجعة ويجعل شيء من وقته في نهاية الأسبوع وفي الإجازات الصيفية للمشاركة في الدعوة إلى الله لأننا كما ذكرنا أن الدعوة من تعلم العلم الشرعي ، وفي هذا تربية للنفس وتدريب لها على إلقاء الدروس وحفظ النصوص واستحضارها وكيفية إلقاء الخطب والمواعظ ..الخ
وأما إن كان الطالب أخذ جملة من العلم الشرعي فإنه يوازن بينهما بأن يكون له وقت يقرأ فيه ، ويراجع ، ووقت آخر يدعوا فيه إلى الله عز وجل.
وننبه أن الدعوة إلى الله عز وجل لا يشترط فيها أن يكون الداعية حافظًا محدثًا أو فقيهًا مدققًا أو أصوليًا نحريرًا ، وإنما إذا تعلم شيء من سنن النبي صلى الله عليه وسلم وما أمر به أو نهى عنه فإنه يدعوا إخوانه ، وهذا هو ثمرة العلم ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث الواحد بالآية إلى قومه فيأتي بهم مسلمين..
السؤال الثاني:
ألا ينبغي يا صاحب الفضيلة أن يكون طالب العلم من الأوائل والسابقين إلى الأعمال الصالحة هل من كلمة بهذا الخصوص ؟
نقول نعم ، فالعمل الصالح ثمرة من ثمرات العلم ، وأصل ذلك قول الله عز وجل ) إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ( ، فالعلماء العالمون بكتاب الله وسنة رسوله r هم الذين يطبقون ويمتثلون ، ولهذا كان إمام المعلمين محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام كان أسرع الناس إلى التطبيق والعمل .