فهرس الكتاب

الصفحة 646 من 788

أعز مراحل العمر مرحلة الشباب: قال تعالى: )اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً( [الروم: 54] الآية.

وقالت حفصة بنت سيرين: يا معشر الشباب خذوا من أنفسكم وأنتم شباب، فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب.

وقال الشاعر:

أترجو أن تكون وأنت شيخ

... ... كما كنت أيام الشباب

لقد خدعتك نفسك ليس ثوب

... ... دريس كالجديد من الثياب

فعليك أخي الشاب أن تبادر باستغلال مرحلة الشباب قبل أن تفوتك فلا ينفعك الندم، وقد سبق قول الإمام أحمد: ما شبهت الشباب بشيء إلا بشيء كان في كمي فسقط!

تقديم الأهم على المهم

إن من فطنة المرء وذكائه أن يحرص على شغل وقته بما هو أهم, فلا يكفي أن تشغل وقتك بأمر نافع حتى ولو كان مهما إذا كان بإمكانك شغله بما هو أنفع وأهم, وهذا يشمل جميع الأفعال والأقوال.

ولنضرب لذلك بعض الأمثلة التي توضح المقصود:

1.إذا ازدحم عندك عملان في وقت واحد, أحدهما نفعه قاصر عليك كصلاة نافلة مثلا, والآخر نفعه متعدي كتعليم العلم, فإنك تقدم ما نفعه متعدي.

2.إذا ازدحم عندك عملان أحدهما يفوت بفوات وقته كالدعاء في ساعة إجابة, والآخر يمكن تأجيله, فإنك تقدم ما يفوت بفوات وقته.

3.إذا أردت أن تتكلم بكلمة فوجدت كلمة أنفع منها, فدع الكلمة الأولى وتكلم بالثانية.

وفي هذا يقول ابن القيم: «وأما اللفظات فحفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة, بأن لا يتكلم إلا فيما يرجو الربح والفائدة في دينه, فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها, وإن كان فيها ربح نظر: هل تفوته بها كلمة هي أربح منها؟ فلا يضيعها بهذه» ا.هـ

الله أكبر! ما أعظم هذا الفقه! وكيف يكون حالنا لو طبقنا هذا على ما نتكلم به من كلام؟!

لا تدع في وقتك فراغا

المؤمن ليس عنده وقت فراغ, قال تعالى: )فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ( [الشرح: 7] قال بعض المفسرين: «المعنى إذا أتممت عملا من مهام الأعمال فأقبل على عمل آخر بحيث يعمر أوقاته كلها بالأعمال العظيمة» (4) ا.هـ

ومما ابتلينا به في هذه الأزمان تباعد المسافات بين الأماكن, فتجد بين الشخص ومكان عمله مسافة تستغرق فترة طويلة من الزمن حتى يصل إليه, وليس له بد من ذلك, فلماذا لا يستغل هذا الشخص زمن ذهابه إلى عمله وعودته منه في الاستماع إلى الأشرطة العلمية النافعة أو إذاعة القرآن الكريم؟! فإن لم يكن فلا أقل من أن يشغل الإنسان لسانه بذكر الله عز وجل.

قال عبد الله بن عبد الملك: كنا مع أبينا في موكبه, فقال لنا: سبحوا حتى تأتوا تلك الشجرة, فنسبح حتى نأتيها, فإذا رفعت لنا شجرة أخرى قال: كبروا حتى تأتوا تلك الشجرة, قال عبد الله: فكان يصنع ذلك بنا.

وأيضا لماذا لا نشغل أوقات الانتظار في المستشفيات ومكاتب الخدمات الأخرى ونحوها في قراءة أحد الكتب النافعة؟!

وأيضا لماذا لا نستغل أوقات الفراغ التي تكون في أثناء الدوام بما يعود علينا بالنفع في آخرتنا؟! بشرط أن لا يكون ذلك على حساب العمل الرسمي الذي يتقاضى الموظف أجره عليه.

وأيضا إذا كنا في فترة استجمام لماذا لا ننوي بذلك التقوى على الطاعة والعبادة, فنؤجر على ذلك؟!

قال معاذ بن جبل لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: كيف تقرأ القرآن؟ فقال: أتفوقه تفوقا (5) . قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم فاقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (6) .

نماذج واقعية لحفظ الوقت

إن النفس البشرية تتأثر بالنماذج الحية أبلغ من تأثرها بالخطب والمواعظ! ولذا فسوف أسوق نماذج لسلفنا الصالح ولبعض المعاصرين تبرز عنايتهم بحفظ أوقاتهم في جميع الأحوال والأوضاع, حتى نتخذ منهم قدوة لنا في حياتنا العملية, فإلى تلك النماذج العجيبة:

1.حماد بن سلمة: قال ابن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة إنك تموت غدا ما قدر أن يزيد في العمل شيئا (7) . وقال موسى بن إسماعيل التبوذكي: لو قلت لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكا لصدقت، كان مشغولا إما يحدث أو يقرأ أو يسبح أو يصلي، وقد قسم النهار على ذلك. قال يونس المؤدب: مات حماد بن سلمة وهو في الصلاة.

2.أبو حاتم الرازي وابنه عبد الرحمن: قال أبو حاتم: سألنا القعنبي أن يقرأ علينا «الموطأ» ، فقال: تعالوا بالغداة، فقلنا له: مجلس عند الحجاج، قال: فإذا فرغتم من الحجاج، قلنا: نأتي مسلم بن إبراهيم، قال: فإذا فرغتم، قلنا: يكون وقت الظهر ونأتي أبا حذيفة، قال: فبعد العصر، قلنا: نأتي عارم. قال:فبعد المغرب. فنأتيه (8) بالليل فيخرج علينا فيخرج علينا كثر ]كذا[ ما تحته شيء في الصيف في الحر الشديد، فكان يقرأ وعليه كساؤه، ولو أراد لأعطي الكثير (9) .

ويذكرني هذا بقول ابن فارس:

إذا كان يؤذيك حر المصيف

... ... ويبس الخريف وبرد الشتاء

ويلهيك حسن زمان الربيع

... ... فأخذك للعلم قل لي: متى؟!

وقال أحمد بن علي لعبد الرحمن بن أبي حاتم: ما سبب كثرة سماعك الحديث من أبيك؟ وكثرة سؤالاتك له؟ فقال: ربما كان يأكل طعامه وأنا أقرأ عليه الحديث ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه (10) .

3.ثعلب النحوي أحمد بن يحيى البغدادي: جاء في أخبار كثير من العلماء أنهم كانوا يطالعون ويقرؤون وهم يمشون في الطريق، ولكن من أعجب ذلك ما جاء في ترجمة ثعلب، قال العسكري: «وكان سبب وفاته أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد لحقه صمم لا يسمع إلا بعد تعب، وكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق، فصدمته فرس فألقته في هوة، فأخرج منها وهو كالمختلط، فحمل إلى منزله على تلك الحال وهو يتأوه من رأسه، فمات ثاني يوم، رحمه الله» .

أما نحن في هذا الزمان فقد منّ الله علينا بنعمة تغنينا عن القراءة حالة السير، وهي نعمة مسجل السيارة، فيلها من نعمة لمن أحسن الانتفاع بها!

4.أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي: قال ابن رجب في ترجمته: «ولابن عقيل تصانيف كثيرة في أنواع العلم، وأكبر تصانيفه: كتاب «الفنون» وهو كتاب كبير جدا،... وقال الحافظ الذهبي في تاريخه: لم يصنف في الدنيا كتاب أكبر من هذا الكتاب، حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربعمائة» (11) وذكر ابن رجب عن بعض العلماء أنه في ثماني مائة مجلدة.

وكان ابن عقيل يقول: لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين.

5.ابن الجوزي: قال ابن عبد الهادي: لا أعلم أحدا صنف أكثر من ابن الجوزي إلا شيخنا الإمام الرباني أبا العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني رضي الله عنه. وقال ابن رجب: لم يترك فنا من الفنون إلا وله فيه مصنف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت