فقد أقسم الله عز وجل في هذه السورة الكريمة بالعصر -الذي هو الدهر-، وإذا أقسم الله عز وجل بشيء من مخلوقاته فذلك دليل على عظم شأن ذلك الأمر.
قال بعض المفسرين: «أقسم الله تعالى بالعصر لما فيه من الأعاجيب؛ لأنه يحصل فيه السراء والضراء, والصحة والسقم, والغنى والفقر, ولأن العمر لا يقوم بشيء نفاسة وغلاء, فلو ضيعت ألف سنة فيما لا يعني ثم تبت وثبتت لك السعادة في اللحمة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد, فعلمت أن أشراف الأشياء حياتك في تلك الملحمة, فكان الزمان من جملة أصول النعم, فلذلك أقسم الله به, ونبه سبحانه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها الإنسان، وأن الزمان أشرف من المكان فأقسم به؛ لكون الزمان نعمة خالصة لا عيب فيها, إنما الخاسر المعيب هو الإنسان» (1) ا.هـ
2.وروى البخاري في صحيحه (2) من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس, الصحة والفراغ» .
فدل هذا الحديث الشريف على أن الفراغ نعمة عظيمة من الله عز وجل, وأن كثيرا من الناس مغبون في هذه النعمة, وسبب ذلك الغبن يرجع إلى أحد ثلاثة أمور:
1-أنه لم يستغل هذا الفراغ على أكمل وجه, وذلك بأن يكون قد شغل فراغه بأمر مفضول مع أنه كان بإمكانه أن يشغله بأمر أفضل.
2-أنه لم يشغل هذا الوقت بشيء من الأعمال الفاضلة التي تعود عليه بالنفع في دينه ودنياه, وإنما شغله بأمور مباحة لا أجر فيها ولا ثواب.
3-أنه شغله بأمر محرم -والعياذ بالله-, وهذا أشد الثلاثة غبنا, فهو ضيع على نفسه فرصة استغلال الوقت بما يعود عليه بالنفع, ولم يكتف بذلك بل شغل وقته بما يكون سببا لتعرضه لعقوبة الله عز وجل في الدنيا والآخرة!
أهمية الوقت عند العقلاء
أهمية الوقت ووجوب حفظه مما اتفق عليه العقلاء، والأوجه التي تبين أهمية الوقت من جهة العقل كثيرة, نذكر منها ما يلي:
1-أن الوقت هو رأس مال الإنسان: قال الحسن: يا ابن آدم إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك. وقال عمر بن عبد العزيز: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.
وقال شوقي:
دقات قلب المرء قائلة له
... ... إن الحياة دقائق وثوان
2-أن الوقت سريع الانقضاء: قال رجل لعامر بن عبد قيس -أحد التابعين-: كلمني. فقال له: امسك الشمس! وقال الإمام أحمد: ما شبهت الشباب بشيء إلا بشيء كان في كمي فسقط.
وقال أبو الوليد الباجي:
إذا كنت أعلم علما يقينا
... ... بأن جميع حياتي كساعة
فلم لا أكون ضنينا بها
... ... و أجعلها في صلاح وطاعة
3-الوقت إذا فات لا يعود: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل، ولله حق بالليل لا يقبله بالنهار. وقالوا لعمر بن عبد العزيز: لو ركبت وتروحت؟ فقال لهم: فمن يجزىء عني عمل ذلك اليوم؟ فقالوا: تؤجله إلى الغد. فقال لهم: فدحني عمل يوم واحد فكيف إذا اجتمع عليّ عمل يومين؟!
ولهذا كان الوقت عند السلف أغلى من الدراهم والدنانير، قال الحسن: لقد أدركت أقواما كانوا أشد حرصا على أوقاتهم من حرصكم على دراهمكم ودنانيركم!
و كان محمد بن سلام جالسا في مجلس الإملاء والشيخ يحدث، فانكسر قلم محمد بن سلام، فقال: قلم بدينار، فتطايرت إليه الأقلام. وكان الدينار يشتري قرابة مائة وخمسون قلم، ولكن محمد بن سلام اشترى به تلك اللحظات التي إذا فاتت فإنها لا تعود.
وقال ابن هبيرة:
و الوقت أنفس ما عنيت بحفظه
... ... وأراه أسهل ما عليك يضيع
4-أن الإنسان لا يعلم متى ينقضي الوقت الذي فسح له فيه: ولهذا أمر الله عز وجل في آيات كثيرة من كتابه بالمسارعة والمسابقة والتنافس، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمبادرة بالأعمال الصالحة.
وقد حذر العلماء من التسويف، قال الحسن: إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غد لك فكس فيه كما كست في اليوم، وإلا يكن الغد لك لم تندم على ما فرطت في اليوم.
وقال ابن القيم: التسويف رؤوس أموال المفاليس.
الناس والوقت
إن الناظر في أحوال الناس يجد أنهم تجاه الوقت على طبقات:
الأولى: من أعمالهم النافعة أكثر من أوقاتهم، ويذكر أن الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله مَرّ بمقهى، فرأى رواد المقهى وهم منهمكين في لعب الورق والطاولة وشرب المشروبات ويمضون في ذلك الوقت الطويل, فقال رحمه الله: لو كان الوقت يشترى لاشتريت من هؤلاء أوقاتهم!
الثانية: من يشغلون جميع أوقاتهم في الركض وراء ما لا فائدة فيه، إما في علم لا ينفع أو أمور الدنيا الأخرى.
وذكر ابن القيم قصة رجل كان يفني عمره في جمع الأموال وتكديسها، فلما احتضر قيل له: قل لا إله إلا الله. فلم يقلها، وجعل يقول: ثوب بخمسة، وثوب بعشرة، هذا ثوب جيد. وما زال هكذا حتى خرجت روحه.
و من ينفق الأيام في جمع ماله
... ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر
الثالث: من لايدرون ماذا يفعلون بالوقت؟!
قال ابن الجوزي: «وقد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعا عجيبا، إن طال الليل فبحديث لا ينفع أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة، أو في الأسواق، فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم وما عندهم خبر،.... ولقد شاهدت خلقا كثيرا لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر في الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر، ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج، ومنهم من يقطع الزمان بحكاية الحوادث عن السلاطين والغلاء والرخص إلى غير ذلك، فعلمت أن الله لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك )وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ( [فصلت: 35] » .
والسبب في تفوات أحوال الناس مع الوقت يرجع إلى ثلاثة أسباب رئيسة:
السبب الأولى: عدم تحديد هدف من الحياة، والواجب على المسلم أن يعلم أن الهدف الذي خلقه الله عز وجل من أجله هو عبادته, كما قال تعالى: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( [الذاريات: 56] ، وليعلم أن هذه الدار دار عمل وليست دار راحة وعبث كما قال تعالى: ) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ( [المؤمنون: 115] , فالدنيا مزرعة للآخرة إن زرعت فيها خيرا جنيت النعيم المقيم في جنات النعيم, وإن زرعت فيها شرا جنيت العذاب الأليم في ذلك اليوم العظيم.
ولا يتنافى هذا مع التمتع بما أذن الله عز وجل فيه من هذه الدنيا, فقد قال تعالى: )وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ( [القصص: 77] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» (3) .
السبب الثاني: الجهل بقيمة الوقت وأهميته, وهذا ما سنحاول التذكير به في هذه المقالة.
السبب الثالث: ضعف الإرادة والعزيمة, فكثير من الناس مدركون لأهمية الوقت وقيمته, ويعرفون ما ينبغي أن يملأ به الوقت من الأمور النافعة, ولكن بسبب ضعف عزيمتهم وإرادتهم لا يقومون بشيء من ذلك, فعلى المسلم أن يعالج هذا بالمسابقة والمبادرة إلى الأعمال الصالحة، والاستعانة على ذلك بالله عز وجل أولا ثم بالرفقة الصالحة.
وإذا كانت النفوس كبارا
... ... تعبت في مرادها الأجسام
الشباب