فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 788

ومن هنا فإن المؤمن الواعي يحس في أعماق نفسه، أنه في سباق مع النهاية المحتومة، وهذا الإحساس يدفعه لأن يسجل لنفسه أكبر قدر من العمل الصالح، الذي يحتاجه في حياته وبعد مماته، ولذا يحضنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - على اغتنام الوقت والاستفادة منه، لأن الإنسان محاسب يوم القيامة على وقته، فيمَ قضاه؟ يقول - صلى الله عليه وسلم:"لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به".. وبهذا الحساب الدقيق للزمن واستثماره استثمارًا مفيدًا، حافظ المسلمون الأوائل على توجيهات ربهم، وطبقوا تعاليم دينهم، وأقاموا أحكام شريعتهم، فأسسوا للدنيا حضارة شامخة، ومجدًا تليدًا، ولا نستغرب اليوم عندما نسمع أو نقرأ أن العالم الفلاني ألف من الكتب ما يربو على"300 كتاب أو 400"أو أكثر، لأنهم استثمروا وقتهم وشغلوا فراغهم، فتركوا لنا مصنفات دقيقة مختلفة الأجناس نعكف الآن على دراستها والتزود منها.

الوقت في حياة المسلم

أحمد بن محمود الديب

الخطبة الأولى

أما بعد:

روى البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) )أي نعمتان يخسرهما كثير من الناس، وروى البخاري عن أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة ) ) [وروى الحاكم والبيهقي] . عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله وسلم: (( اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك ) ).

وروى البزار والطبرني عن معاذ بن جبل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به ) ).

أيها الأخوة الكرام: لقد استحقت أمتنا أن تكون أمة قيادة وأمة ريادة حينما اهتمت بأوقاتها وعلمت أنها مسئولة عن وقتها، لقد اهتم الإسلام بالوقت اهتمامًا بالغًا، بل لم يعرف التأريخ أمة من الأمم كأمة محمد اهتمت واعتنت بوقتها عناية بالغة.

وهذا نراه واضحًا في كتاب الله وسنة رسول الله وسلوك السلف. فما هو الوقت؟

هو اسم لقليل الوقت وكثيره وهو عند كثير من العلماء المتخصصين يمثل مفهومًا خاصًا بعلومهم، فعند الجغرافي يرتبط الوقت بالظواهر الجغرافية من زمن ومكان معينين ترتبط وهذه الظواهر، وعند النحوي يربط الوقت بالأزمان مقترنًا بزمن الماضي والحاضر والمستقبل، وأما علماء الطبيعة فيرون أن الزمن والوقت يمثلان واحدًا من ثلاث كتل الكتلة والمسافة والزمن، وعند علماء السلوك يرون أن إضاعة الوقت ذنب يستوجب التوبة العاجلة.

والمسلم يرى الوقت يجمع بين هذا وذاك، ويرى أن الوقت أغلى من الذهب والفضة وأغلى من جميع الأموال، فإن المال إذا فقد يمكن أن يعوض، وإما الوقت إذا فقد فلا يمكن أن يعوض

دقات قلب المرء قائلة له *** إن الحياة دقائق وثواني

فمن حافظ على وقته ترقى في درجات الكمال، ومن أضاع وقته نزل في دركات الوبال، ومن لم يتقدم فهو في تأخر، ومن لم يتقدم إلى الجنة بالأعمال الصالحة تأخر إلى النار بالأعمال السيئة، فخسر الدنيا وخسر الآخرة.

لقد استحقت أمتنا أن تكون أمة قيادة وريادة، فالوقت ينقسم إلى قسمين: وقت زماني ووقت مكاني، فالوقت الزماني هو الذي يتعلق بعمر الإنسان، بل هو حياته كاليوم والأسبوع والشهر والسنة، والوقت المكاني كما جاء في الحديث المتفق عليه حينما وقّت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لوفود الحجيج مواقيت مكانية فقال: (( هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ) ).

ولقد ذكر الوقت في كتاب الله - تعالى -في ثلاث عشرة آية يذكر الله - تعالى -فيها قيمة الوقت، ففي سورة المرسلات: (( وَإِذَا الرُّسُلُ أُقّتَتْ لايّ يَوْمٍ أُجّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ ) ) [المرسلات: 11 - 13] . أي أن الله - تعالى -جعل للرسول ميقاتًا يفصل بينهم وبين أممهم وقال - تعالى -في سورة الحجر حينما أعطى إبليس مهلة من الوقت فقال: (( قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) ) [الحجر: 37 - 38] . وحينما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سورة الأعراف عن ميقات الساعة فقال - تعالى: (( قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ) ) [الأعراف: 187] . وفي سورة الشعراء قال - تعالى - (( فجمع السحرة إلى ميقات يوم معلوم ) ) [الشعراء: 38] . وفي سورة المعارج: (( قُلْ إِنَّ الأولين والآخرين لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ) ) [المعارج: 49 - 50] . وقال - تعالى -في سورة النبأ (( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ) ) [النبأ: 17] . وفي سورة الدخان: (( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ) ) [الدخان: 40] . وفي سورة البقرة: (( يسألونك عَنِ الأهلة قُلْ هي مَوَاقِيتُ ) ) [البقرة: 189] . وفي سورة النساء: (( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ) ) [النساء: 103] .

وحينما أراد الله - تعالى - أن يمتن على العباد بقيمة الوقت ويلفت انتباههم إلى قيمته والى أهميته أقسم به في مواضع كثيرة وأقسم بأجزاء منه، ففي معرض الامتنان على الناس ذكر الله - تعالى -الليل في أربع وسبعين آية وذكر النهار في أربع وخمسين آية قال: (( وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ [إبراهيم: 23] . وقال: (( وَهُوَ الذي جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) ) [الفرقان: 62] .

ولأهمية الوقت أقسم بالفجر والضحى والليل والنهار ليلفت انتباه العباد إلى قيمة الوقت ليسعوا بحرص شديد أن يعتنوا بأوقاتهم وأن يملئوها بطاعة الله - تعالى -.

لقد كان سلف أمتنا أحرص الناس على أوقاتهم، فيقضون أوقاتهم في طاعة الله، بل إنهم كانوا يستغلون كل لحظة في أوقاتهم فيملؤونها بالطاعة والخشية من الله - تعالى -، فكانوا يقلون من علامة المقت ألا وهي إضاعة الوقت.

كان ابن مسعود يقول: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي) . وقال الحسن البصري: لقد أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد حرصًا منكم على أموالكم. ويقول: يا ابن آدم إنك أيام مجموعة، إذا ذهب يوم ذهب بعضك. وقال عمر بن عبد العزيز: يا ابن آدم إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. ويقول آخر: من كان يومه كأمسه فهو مغبون.

هؤلاء هم الذين حافظوا على أوقاتهم فكانوا يستغلون أوقاتهم في سيرهم في الطريق للعمل بطاعة الله، ويغتنمون كل لحظة من أعمارهم بطاعة الله، فهذا رجل رآه النبي وهو يتقلب في الجنة لأنه استغل وقته في طريقه روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر طريق كانت تؤذي المسلمين ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت