فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 788

وقد حقق سلفنا الصالح الأمجاد التليدة التي خلدها التاريخ عندما أعطوا الوقت قدره ولم يضيعوه، فهذا ابن الجوزي - رحمه الله - يعتبر واحدًا من علماء الإسلام المكثرين في التأليف كان يأتيه أمثالنا من الفضوليين، يتجاذب معه أطراف الأحاديث، وفي الوقت ذاته يعد أقلامه للكتابة حتى لا تضيع هذه الدقائق، وإن علماءنا الذين نعتز بهم كابن حجر الذي لقب بحافظ الدنيا وابن تيمية وابن القيم والخطيب البغدادي وغيرهم، خلفوا وراءهم تراثًا عظيمًا ضخمًا، رغم أنهم في عصرهم كانوا يفتقرون إلى ما به وعليه يكتبون، وبعضهم خلَّف هذا التراث الهائل وهو يتنقل من سجن إلى سجن ''كابن تيمية''.

يعجبني جدًا ما كتبه العلامة الراحل محمد شفيع - رحمه الله - في تفسير قوله - تعالى: إن الباطل كان زهوقا (81) (الإسراء: 81) حيث قال:"الباطل زاهق لا يمكن أن تستوي سوقه ويصلب عوده أو يمكَّن لأهله في الأرض، وإن رأيت لأهل الباطل صولة وجولة أو قوة وشوكة فاعلم أنهم تمسكوا بجانب من جوانب الحق، فبه اعتزوا وتمكنوا".

وإنني أرى أن أهل الغرب ما تقدموا إلا بأخذهم بعض الجوانب والأحكام من شريعتنا، ومن ضمنها استغلالهم للوقت فيما يعود عليهم بالنفع، فلهم روتين يومي لا يحيدون عنه، للعمل ساعات معينة، وللراحة وقت محدد، وللنوم موعد معلوم، وبالكاد تجد أحدهم عالة على أحد أو طفيليًا، فالكل يعمل ويكد ويكدح، ويندر عندهم فكرة التقاعد المعروفة لدينا، ولذلك مكن الله لهم في الأرض.

فقانون الفطرة يقول:"من جد وجد ومن زرع حصد"، والندم بعد فوات الأوان لا ينفع، وسنة الله لا تتغير ولا تتبدل:"ولن تجد لسنة الله تبديلا 62" (الأحزاب: 62) .

ولم يعرف التاريخ أمة من الأمم اهتمت شريعتها بالزمن، وحثت على اغتنامه قبل ضياعه، مثل الأمة الإسلامية، وذلك لأن الزمن هو الحياة، هو العمل والإنتاج، هو التطور العلمي في تشييد الحضارات وازدهارها.

والأيام هي الأيام لم تزد ولم تنقص، لا من حيث العدد، ولا من حيث المساحة الزمنية اليومية، والشهور والأعوام لم يتبدل فيها شيء إلا الناس شمس تشرق وتغيب، وهلال يهل ثم يقمر، ثم يتناقص ثم يختفي، وهكذا حياة الأقوام، وكذلك حياة الإنسان، حيث يولد صغيرًا ضعيفًا ثم يكبر ثم يشيخ، ثم يختفي، كأن لم يكن.

ومن رغب في أن يخلد ذكره، وينفع نفسه في دنياه وآخرته، ويسعد الآخرين في حياته وبعد مماته فلينتهز فرصة وجوده في الحياة، وليزين هذه المدة المحدودة بالعمل، وها هو رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - يحث أمته على انتهاز الوقت واستثماره قبل فواته، فيقول:"اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك". ويقول أيضًا:"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".

لأن الوقت هو المادة الخام الطيِّعة للإنسان، والتي يقدر على تشكليها حسبما يرى ويهوى، فهو يستطيع استثمارها فيما يعود عليه شخصيًا، وعلى أسرته ومجتمعه وأمته والإنسانية كافة بالفائدة الجمة، ويمكن أن يهدر وقته، فيذهب هباءً منثورًا لا فائدة حاضرة، ولا خير يُرتجى مستقبلًا، ويصبح هو ومن على شاكلته أشقى من أظلتهم السماء، وأقلتهم الغبراء، وذلك بإهدارهم زمانهم.

ولو جئنا إلى كتاب الله العزيز لوجدنا أن الله ذكر الوقت، وأقسم به في بدايات بعض السور، مثل: والفجر والليل، والضحى، وذكره كثيرًا في بعض السور أيضًا، وقد سميت سورة بسورة العصر:"والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) " (العصر) .

فليس المقصود هنا إنسانًا معينًا وإنما المراد جنس الإنسان، ف"ال"هنا ليست للتعريف والتحديد، وإنما هي للعموم لتشمل جميع بني آدم، ذكورهم وإناثهم.

إهمال العمر خسران:

فكل من أهمل عمره وقته هو في خسران مبين: في فقر ومذلة، ومرض وجهل، وتخلف، هو في عوز لكل ما تقوم به الحياة الإنسانية، ثم استثنى الله - تبارك وتعالى - الذين أفردوه بالألوهية، وخصوه بالعبادة، ثم يخبرنا الله أن الإيمان القلبي وحده لا يكفي، بل لا بد أن يضاف إليه العمل النافع، والعمل معناه الاستفادة من الوقت، فيقضونه فيما يجنون منه فوائد لهم ولغيرهم، وتواصوا بالصبر في مواجهة متاعب الحياة كي يعيشوا أعزة.

أما الذين استلذوا الكسل واستمرءوا البطالة، والذين لا يصبرون على تحمل المشاق، ومكابدة الصعاب، وتخور قواهم لأدنى نصب، فهؤلاء جميعًا تلفظهم الحياة، وتدوسهم الأقدام وتلعنهم الأرض التي يحيون عليها، يتجاوزهم الركب الحضاري غير مأسوف عليهم، لأنهم رضوا لأنفسهم بالتخلف عن المشاركة في بناء الحضارات.. وعندما يضرب الله لنا الأمثال في القرآن الكريم بالأمم السابقة، التي سادت ثم بادت، ويطلعنا على ما حل بهم من عقاب، كما يخبرنا بما كانوا عليه من القوة والبأس وأن آثارهم في الأرض باقية من بعدهم، وهي خير شاهد على اغتنامهم لأزمانهم وقضائها في أعمال مثمرة، يقول - تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى"عنهم ما كانوا يكسبون 82 (غافر) ."

فإن هؤلاء الأقوام لم يكن هلاكهم بسبب كسلهم وتباطئهم عن أعمالهم، وإنما كان بسبب جحودهم للنعم التي أنعم الله بها عليهم، لنتعظ، ولنحِدْ عن الطريق الذي سلكوه، من حيث الاعتقاد والعبادة.

أما من حيث العمل، واستغلال الوقت، والالتزام بتعمير الأرض، وتشييد الحضارات والمساهمة بنصيب وافر في التقدم العلمي الإنساني، فقد كانوا على قدر عظيم منها، وها هي الآيات من 6 حتى 10 من سورة الفجر تنطق بذلك صراحة، فقد كانت ثمود، قوم صالح - عليه السلام - ينحتون من الجبال بيوتًا فارهين، كما كانوا ذوي مزارع ونخل هضيم، وعاد قوم هود كانوا ذوي مصانع ومزارع، والحضارة الفرعونية ما زالت آثارها أهرامها تشهد لهم بذلك إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله من الزمان القادم، وكذلك الحضارات الإغريقية والرومانية، والهندية، والبابلية، والفينيقية، والفارسية والإسلامية، كل واحدة قد ساهم معاصروها في بناء الحضارة العالمية، التي هي أطوار، كل عصر يشيد دورًا من أدوارها بسواعد أبنائه، فخُلِّدوا في التاريخ، وإذا كان المثل يقول:"اطلب الموت توهب لك الحياة"، فأقول لك أخي القارئ: اغتنم الوقت يوهب لك الخلود، والذكر الحسن..

وإذا كان القرآن تعرض للزمن فأورده بكل جزئياته، فإن الزمن غير مقصود لذاته، وإنما المقصود أهله الذين عاشوا فيه، ماذا قدموا لأنفسهم؟، وماذا أهدوا لغيرهم من المجتمعات الحاضرة واللاحقة، وهل قاموا بواجب الخلافة في الأرض، أم أنهم عاشوا وماتوا، وكأنهم لم يولدوا لأنهم لم يتركوا شيئًا تذكرهم الأجيال القادمة به؟ إن العلماء لم يولدوا علماء، ولا المشهورين ولدوا مشهورين، وإنما ولدوا مثل غيرهم، ولكنهم عرفوا كيف يستغلون وقتهم علمًا وعملًا، فأصبحوا علماء مشهورين..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت