فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 788

وأقبحَ أثرَ الناسِ عليهم، أي والله ، لقد بذلوا دماءَهم وأموالهم دُون هلكتِ العباد، فمنهم من قُتل، ومنهم من سُجن حتى ماتَ في السجن، ومنهم من عُذبَ، احتملوا كل ذلك للهِ وفي الله، وفي سبيلِ تبليغِ دينَ اللهِ لمن بعدهم، صافيًا لا تشوبهُ شوائبُ أهلِ الزيغِ والضلال، وقد وصلَ إلينا بحمدِ اللهِ كذلك، فكانَ لزامًا علينا أن نذودَ عنهُ كما ذادَ أسلافُنا، إذًا الحربُ متوارثةٌ مستمرة، فوجدَ أهلُ السُنةِ اليوم أنفسهم في مواجهةِ أخطارٍ عديدةٍ كثيرة، وهُم في حالِ ضعفٍ لا ناصرَ لهم ولا معينَ إلاَّ الله، ووجدوا أنفسهم في مواجهةِ دولةِ اليهودِ ذاتَ الجيشِ المزودِ بأحدثِ وأفتكِ أنواعِ الأسلحة، وفي مواجهةِ دولةِ النصارى، عُبَّاد الصليبِ، وهي تحتلُ جُزءًا آخر من بلادِ المسلمين، وفي مواجهةِ الإلحادِ الشيوعي الماركسي، وهو يغزو البلادَ ويدمرُ العباد، وجدوا أنفسهم في مواجهةِ هذه الجبهاتِ العديدةِ التي فُتحت عليهم عسكريًا، وجدوا أنفسُهم وقد تداعت عليهم أممُ الكفر والضلالِ كما تداعى الأكلةُ إلى قصعتها، كما أخبرهم بذلك نبيهم- صلى الله عليه وسلم-، وكانَ الواجبُ علينا أن نسألَ أنفسنا لماذا نحنُ المقصودين بالذاتِ دونَ سائرَ الأُممِ بهذا الغزوِ الشرس، والجوابُ ظاهر، فاللصُّ لا يأتي إلاَّ البيت الذي يظنُ وجودَ المالِ فيها.

الخطبة الثانية

الحمد لله،... أمَّا بعد، أيُّها الناس:

فلا شكَ بأنَّ الغزو العسكري الذي دَهَم بلادَ المسلمينَ غزوٌ خطرَ لهُ من الآثارِ السيئةِ ما لا يعلمُ مداهُ إلاَّ اللهُ، لكن مع ذلكَ ليتَ الأمرُ مُقتصرٌ على هذا الحدِّ فقط، لكن هُناك ما هُو أخطرُ منهُ وأعظم، ألا وهو الغزو في الفكرِ والمعتقد، فكمَا أنَّ أهلَ السنةِ في مواجهةِ ما سبق، فكذلكَ هُم في مواجهةِ غزوٍ من الداخلِ أشدُّ وأنكى، فهُم في مواجهةِ انحرافِ العقيدةِ عند الصوفية، وهُم في مواجهةِ غزو الرافضةِ الشرسِ الذي هُو في قمةِ نشاطهِ وأوجِّ مجدهِ، وهُم في مواجهةِ شُبهاتٍ ألقاها أعداءُ الإسلامِ من يهودٍ ونصارى وشيوعيين، وشبهاتٍ أصغوا بها في دينِ الإسلامِ، وتلقفها جهلةُ أبناءِ المسلمين، وفي نظري أنَّ كلَّ هذا يهونُ عندَ غزوٍ مبطن، ظاهرهُ الترفيهُ والتسلية، وباطنهُ فيه البلاءُ والهدم، فيه السمُّ الزعاف القاتل، فيه اجترارُنا إلى الهاوية، والانحرافُ بِنا عن مسيرةِ الحقِّ، إنَّهُ غزوٌ من داخلنا، من أبنائنا، من بني جلدتنا، فحُصُوننا مُهددةً من داخلها، ومن مأمنهِ يُؤتى الحذر.

أخرج البخاري في صحيحهِ عن حذيفةَ- رضي الله عنه- قال: (( كانَ الناسُ يسألونَ رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم- عن الخيرِ، وكنتُ أسألهُ عن الشرِّ مخافةَ أن يُدرِكني فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّا كُنَّا في جاهليةٍ وشر، فجاءنا اللهُ بهذا الخير، فهل بعد هذا الخيرِ من شر؟ قال: نعم. قلتُ: وهل بعد ذلك الشرِّ من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قومٌ يهدونَ بغير هدي، تعرفُ منهم وتُنكر، قلتُ: فهل بعد ذلكَ الخيرِ من شر؟ قال: نعم، دعاةُ على أبوابِ جهنم، من أجابَهم إليها قذفوهُ فيها، قلتُ: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: هُم من جلدتنا، ويتكلمونَ بألسنتنا، قلتُ: فما تأمُرُني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعةَ المسلمينَ وإمامهم. قلتُ: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرقِ كلَّها، ولو أن تعضَّ بأصلِ شجرةٍ حتى يُدرِكَك الموتُ وأنت على ذلك ) ).

معشرَ الإخوةِ في الله، هذا حديثٌ عظيمٌ جليل، ممن لا ينطقُ عن الهوى، فيهِ تحذيرٌ لكم من خطرِ المنافقين، وفيه بيانٌ لمنهجِ الصحابةِ- رضي الله عنهم- في حرصهم على معرفةِ الشرِّ ليحذروه، وقد تكالبت عليهم الشرورُ من كلِّ جانب، وأنتم لا تعرفونها، بل تنساقونَ وراءَها، لأنَّها تُظهرُ لكم أشياءَ برَّاقةٍ لمَّاعة، بألسنةٍ كأنَّما يسيلُ منها العسل، وهُم واللهِ الخطرُ كلُّ الخطر، يقولُ نبيكم- صلى الله عليه وسلم- كما جاءَ عنه في الحديث الصحيح: (( إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أمتي: كلَّ منافقٍ عليمُ اللسان ) ).

ويقول الحسنُ البصري- رحمه الله-: إنَّما الناسُ ثلاثةُ نفر: مؤمنٌ ومنافقٌ وكافر، فأمَّا المؤمنُ فعاملٌ بطاعة الله، وأمَّا الكافرُ فقد أذلهُ اللهُ تعالى كما رأيتم، وأمَّا المنافقُ فهاهنا وها هنا في الحُجَرِ والبيوتِ والطرق، نعوذُ بالله، واللهِ ما عرفوا ربَّهم بل عرفوا إنكارَهم لربهم بأعمالِهم الخبيثة، ظَهرَ الجفاء، وقلَّ العلمُ، وترتِ السنة، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، حيارى، سُكارى، ليسوا يهودًا، ولا نصارى، ولا مجوسًا، فيحذروا) .

وقال: إنَّ المؤمنَ لم يأخذ دينهُ عن الناسِ، ولكن أتاهُ من قبلِ اللهِ عزَّ وجلَ فأخذه، وإنَّ المنافقَ أعطى الناسَ لسانه، ومنعَ اللهُ قلبهُ وعمله، يحدثان أحدنا في الإسلام: رجلٌ ذو رأى سواءً، زعم أنَّ الجنةَ لمن رأى مثلَ رأيه، فسلَّ سيفهُ، وسفكَ دماءَ المسلمين، واستحلَّ حُرمتهم، ومترفٌ يعبدُ الدنيا، لها يغضبُ وعليها يُقاتل، ولها يطلبُ، وقال: يا سُبحانَ اللهِ ما لقيت هذهِ الأمةُ من منافقٍ قهرها واستأثر عليها، وما رق مرق من الدينِ فخرجَ عليها صنفانِ خبيثان، قد غمَّا كلَّ مسلم، يا ابن آدم دينُكَ دينك، فإنَّما هو لحمُكَ ودمُك، فإن تسلم فيا لها من راحة، ويا لها من نعمة، وإن تكنِ الأخرى فنعوذُ بالله، فإنَّما هي نارٌ لا تُطفئ، وجحيمٌ لا يُبرد، ونفسٌ لا تموت.

فالله الله معشرَ المسلمين، كُونُوا على حذرٍ من كلِّ ما يعُوقُكم عن هدفِكم، فما ظُاهِرُهُ اللهو وأنتم لا تدرون أنَّهُ تخديرٌ لكم، وتدرجٌ في إخراجِ نسائكم، حتى إذا هجمَ عليكم عدوٌ لا سمحَ الله، فإذا بكم صفرَ اليدين، بأيِّ رجالٍ تُقاتلونهُ، أم بأيِّ سلاحٍ تصدونهُ، أبشبابٍ همُّهُ الكرةُ وتشجيعُ الأندية؟ شبابٌ فتكت به المُخدرات، وأمرضت جسمَهُ الآفات، شبابٌ عبد الفيديو والمُسكرات، أم بتلك المَهرجاناتِ والاحتفالات، التي تُولونها هذا الاهتمام، وأَمَامكم قضايا، فما أشبهَكم بمريضٍ تسري الآلامُ في جسدهِ لا يعرضُ على طبيب، بل طبيبهُ اللهو واللذات العاجلة، حتى إذا تمكنَ المرضُ من جسدهِ أسلمَ الروحَ، وفارقَ تلك اللذاتِ، الله الله معشرَ الإخوةِ كُونوا مثلَ حُذيِّفةَ

يقظة الوعي الحضاري .. هل يُنهي زمن الغفوة ؟

د.مسفر بن علي القحطاني

يشكّل غياب فقه مقاصد الشريعة وبُعده عن فقه الأحكام التكليفية وعزله عن الفروعيات الجزئية- أزمة واقعية على المستوى الفكري والتطبيقي للإسلام؛ فأصبحت الأحكام الشرعية نتيجة لهذا الغياب عبارة عن أفعال ديناميكية تصدر من اللاشعور الاعتيادي عند ممارسة الفرد لها دون فهم حقيقي لمراد الشرع الحنيف من هذه التكاليف أو مقصد الدين من هذه العبادات، كما أدّى هذا الغياب في فهم المقاصد إلى تأطير الشريعة في مجالات محدودة من الحياة، وقصر التعبّد على نواحٍ معدودة من العبادات العملية، فأثر هذا الفصام في تهميش دورها التفاعلي في"حفظ نظام الأمة واستدامة صلاح هذا النظام الشامل بصلاح المهيمن عليه، وهو النوع الإنساني".. كما قال الإمام الطاهر بن عاشور - رحمه الله - في معرض ذكره عن المقصد الرئيس لهذه الشريعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت