فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 788

وهكذا يستمر العلماء المحققون على هذا المنهج، وهو الجمع بين العلم والعمل، فمن قرأ سيرة الشيخ محمد الإمام المجدد -رحمه الله- محمد بن عبد الوهاب رأى العجب، فيتعجب من هذه الأعمال الخاصة من صلاة وتلاوة وذكر مع ما قام به من جهاد بالسنان واللسان، وكذلك أبناءه وأحفاده وتلاميذهم إلى عصرنا.

وهذه البلاد أيضًا لها القدح المعلى من هذا النوع من أهل العلم والعمل، فمن أدرك الشيخ عمر بن سليم -رحمه الله- والعبادي والمفدى والخريصي والمطوع -رحمهم الله- جميعًا وأضرابهم وأمثالهم فهؤلاء يضرب بهم المثل في العبادة.

يعني لا يقال: أن هذا شيء غير مقدور عليه، هذا خاص بسلف هذه الأمة، فهناك أمثلة، وهذا الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- مضرب المثل في التضحية، حيث بذل جميع وقته للدعوة والتعليم، وقضاء الحاجات، وحدثتنا زوجته أنه في ليلةٍ من الليالي جاء من المستشفى، ولاحظت عليه آثار التعب، فضبطت الساعة بعد عادته في القيام بساعة رأفةً به، فانتبه على العادة، وسألها لمَ لم يشتغل منبه الساعة، فأخبرته فلامها على ذلك، وأخبرته أنها فعلت ذلك من أجل راحته، فقال -رحمه الله-: الراحة في الجنة، وكان معدل نومه لا يزيد في اليوم والليلة لا يزيد على أربع ساعات.

ومن شيوخنا الأحياء الآن الموجودين من يزاول العمل الوظيفي، ويؤدي العمل من أوله إلى آخره بمقدار ست ساعات في اليوم، ومع ذلك يكون لديه الدروس اليومية، وقته معمور، وتجده يحرص على الصلاة على الجنائز، ويتردد على المساجد التي يصلى فيها على الجنائز، والآن خرج من الدوام، فيصلي على الجنازة ويتبعها، والمغرب عنده درس، وفي الليل قيام، فهذا ليس بالمستحيل، لكن الموفق من وفقه الله، فعلى كل حال نقتصر على هذا؛ لأن الوقت يزاحمنا، فالذي يُريَ الله -جل وعلا- من نفسه خيرًا يعينه، وأكرر ما ذكرته في البداية أن هذا الموضوع لو أسند لشخص يحكي واقعه في العلم والعمل لكان أنفع؛ لأن القول الكلام الذي ينبع من القلب ويصدقه العمل هو المقبول، أما يسند إلى شخص لم يعرف بشيء من هذا، فهذا لا شك أنه حسن ظن من الإخوان، ولا نقول إلا خيرًا، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أسئلة:

هذا يقول: كيف يبلِّغ الإنسان علمه وهو غير مؤهل كتدريس الحلقات أو عقد الدروس، وما قولكم فيمن يقول: أنا لا أحفظ القرآن خوفًا أن يكون حجة عليَّ؟

أولًا: كونه يقدم على التعليم قبل أن يتأهل هذا لا شك أنه استعجال للثمرة، فعليه أن يتأهل قبل ذلك، ثم بعد ذلك إذا تأهل ودعت الحاجة إلى أن يعلم عليه أن يبادر بالتعليم فهذه زكاة العلم.

أما كونه لا يحفظ القرآن خشية أن يكون حجة عليه فلا شك أن هذا من تلبيس الشيطان، فعليك أن تحفظ القرآن وأن تجاهد نفسك، وأن تخلص عملك لله -جل وعلا-، وهذا سؤال يرد كثير من الطلاب في الدراسة النظامية، في الكليات الشرعية، كثيرٌ منهم من يقول: أنا دخلت الكلية الشرعية، ونصب عيني التخرج والشهادة وبناء الأسرة، وظروف الحياة، ولا شك أن هذا يخدش في الإخلاص، نقول: نعم يخدش في الإخلاص، فيقول: هل الحل أن أترك الدراسة؟ نقول: لا، ليس الحل أن تترك الدراسة، الحل أن تجاهد نفسك بالإخلاص، وإذا علم الله -جل وعلا- منك صدق النية أعانك.

يقول: كيف نكثر من العبادة والعلم والدعوة وزماننا مليءٌ بالشواغل، كحق الوالدين، والأسرة، والانشغال بالأجهزة الحديث، كالحاسب والجوال ونحوهما، مع انفتاح المنكرات فكيف نقاومها؟ ونعطي كل ذي حقٍِ حقه، وننتفع من الأجهزة، ونكثر من العلم والعبادة والدعوة مع قصر العمر؟

أقول: مثل هذه الأعذار لم تعق من كان قبلك، أنت عندك صوارف صحيح وجدت في هذا الزمن، لكن أنت بهذه الوسائل تدرك ما أدركه من سبقك من العلم بمراحل، بسبب هذه الوسائل، بإمكانك أن تركب السيارة وتصل إلى المسجد بخمس دقائق، لكن من تقدم الذين ليست عندهم هذه الشواغل يحتاج إلى ساعة إلى أن يصل إلى المسجد الذي فيه درس.

أيضًا هذه الآلات التي تعتذر بها هي خير معين لك على التحصيل، ما الذي يمنعك إذا تعارض درس مع آخر أن تقتني من الأشرطة التي شرحت فيها الكتب من أهل العلم الموثوقين، وتنظر في المتن تحفظ من المتن وتسمع الشرح وتعلق عليه، هذا درس، وهذا لم يكن موجود بالنسبة لمن تقدم، لا شك أنه موجود الصوارف موجودة، والشواغل كثيرة، ومع ذلك المعين والميسر موجود، لكن ابذل من نفسك تجد -إن شاء الله تعالى-.

يقول: هل يجوز السهر على قراءة الكتب مع ذكر دليل ذلك؟

ترجم أهل العلم ومنهم الإمام البخاري، وذكرنا هذا سابقًا (باب السمر في العلم) وذكر ما يدل على ذلك، وأخبار السلف كثيرة في هذا، فمنهم من يجزئ الليل إلى ثلاثة أجزاء، ينام ثلث، وينظر في العلم ثلث، ثم يصلي ثلث، ومُدح بهذا، ولا يتعارض بهذا أبدًا مع حديث: (كان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها) والنبي -عليه الصلاة والسلام- بعد صلاة العشاء تحدث مع أهله ساعة، فالمسألة موازنة بين المصالح والمفاسد، ولا شك أن النوم أفضل من السهر على المباحات، فضلًا عن السهر مع التخليط، فضلًا عن السهر مع المحرمات، نسأل الله السلامة والعافية.

يكثر السؤال عما جاء ذكره من حال السلف أنهم كانوا يقرؤون القرآن كل يوم، وهذا مستفيض عنهم.

قراءة القرآن عند الماهر، ومع ذلك بإمكانه أن يتدبر، وقد رأينا من يقرأ القرآن كل يوم مع أن الدموع تنهمر من عينيه، فليس بالمستحيل، وليس بصعب، وهو موجود إلى الآن، النبي -عليه الصلاة والسلام- ثبت عنه أنه قال لعبد الله بن عمرو: (( اقرأ القرآن في سبع ولا تزد ) )مثل هذا الكلام منه -عليه الصلاة والسلام- إنما هو علاج للمندفع، المندفع يعالج بمثل هذا الكلام، ابن عمرو أراد أن يقرأ القرآن ليل نهار، ويترتب على هذا تضييع بعض الحقوق، فأراد النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يحد منه هذا الاندفاع، فقال له: (( اقرأ القرآن في شهر ) )فقال: نطيق أكثر من ذلك، فقال: (( اقرأه في عشرين ليلة ) )فقال: إني أطيقه أكثر من ذلك، فقال: (( اقرأه مرتين في الشهر ) )فقال: أطيق أكثر من ذلك، (( في عشر ) )يطيق أكثر من ذلك، قال: (( اقرأ القرآن في سبعٍ ولا تزد ) )فإذا كان النهي للرفق بالمنهي، إذا كان النهي من أجل الرفق بالمنهي فتنظر بالنسبة لغيره النصوص الأخرى، ففي كل حرف من القرآن عشر حسنات، وجاء في الحديث عند أبي داود وغيره أنه: لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث، والعلماء يقررون أن القراءة بأقل من ثلاث ممكنة وقد يفقه، لكن هذا بالنسبة لمن لديه أعمال أخرى، وانشغال بأمور دنياه، فمثل هذا لا يفقه، لكن لو قال لنا شخص: أنا أقرأ خمسة بعد صلاة الصبح، وخمسة بعد صلاة الظهر، وخمسة أجزاء بعد صلاة العصر، وأستطيع أن أقرأ القرآن في يومين، هل نقول لك: إنك لا تفقه، لا تقرأ بعد صلاة الظهر؛ لأجل أن تفقه، هل لهذا المنع من القراءة في وقتٍ من هذه الأوقات أثر على الفقه؟ لكن غالب الناس إذا قرأ عشرة في اليوم لا يفقه، فهو محمول على الغالب، ومنهم من يرى كابن رجب وغيره أن هذا في الأوقات العادية، أما في الأوقات الفاضلة فتغتنم هذه الأوقات، ولا مانع أن يختم القرآن في رمضان في كل ليلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت