ومن تلك النعم التي نتقلب فيها صباح مساء، وقد غفل الكثيرون عنها، وقل المتنبهون لها المستغلون لها بما ينفعهم في الدنيا والآخرة، نعمة الوقت. يقول سبحانه مذكرًا بهذه النعمة: وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَاتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم:33، 34] ، وفي آية أخرى وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل:12] ، وقال سبحانه: وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءايَتَيْنِ فَمَحَوْنَا ءايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا ءايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مّن رَّبّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَىْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [الإسراء:12] ، فهذا الوقت الذي نعيش فيه من أجل النعم والمنن، ومن غفل عنه سيندم كما يندم الكفار إذا عاينوا النار ووقعوا فيها وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ـ فيجابون ـ أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ [فاطر:36، 37] ، فجعل سبحانه التعمير وطول العمر موجبًا للتذكر والاستبصار، وأقام العمر الذي يحياه الإنسان حجة عليه، قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: أي أوَ ما عشتم في الدنيا أعمارًا؟ لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم.
ولذا كان طول العمر حجة على ابن آدم ففي الحديث: (( أعذر الله عز وجل إلى امرئ أخر عمره حتى بلغه ستين سنة ) )البخاري.
أي أزال عذره ولم يبق له موضعًا للاعتذار، إذ أمهله طول هذه المدة المديدة من العمر. فالزمن نعمة جلى ومنحة كبرى لا يستفيد منها كل الفائدة إلا الموفقون، كما أشار إلى ذلك قوله: (( نعمتان مغبون فيها كثير من الناس الصحة والفراغ ) )البخاري.
قال ابن القيم:"فالوقت منصرم بنفسه منقض بذاته ـ أي لا يحتاج إلى من يديره ويحركه ـ ولذا فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته وعظمت حسراته واشتد فواته، والواردات سريعة الزوال تمر أسرع من السحاب وينقضي الوقت بما فيه فلا يعود عليك منه إلا أثره وحكمه، فاختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك، فإنه عائد عليك لا محالة، لهذا يقال للسعداء في الجنة كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئًَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24] ، ويقال للأشقياء المعذبين في النار ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ [غافر:75] "ا.هـ
ولذا كان حرص سلفنا الصالح على أوقاتهم شديدًا، يقول ابن مسعود: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي) .
وهذا ابن الجوزي يقول:"وقد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعًا عجيبًا، إن طال الليل فبحديث لا ينفع أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق".ا.هـ.
وما ظنكم بما سيقوله ابن الجوزي لو رأى ما يقضي فيه كثيرون من المسلمين أوقاتهم في هذا الزمان الذي كثرت فيه الصوارف واسترخص فيه أقوام أوقاتهم، فبذلوها فيما حرم الله عليهم فإلى الله المشتكى وهو المستعان والمسؤول جل وعلا أن يمن علينا باستغلال أوقاتنا فيما ينفعنا عنده يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
الخطبة الثانية
أما بعد:
فيا عباد الله اعلموا أن الدنيا سريعة الانقضاء فقد سماها الله تعالى متاعًا إِنَّمَا هَاذِهِ الْحياةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الاْخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:39] ، فخذوا من العاجل للآجل، وتزودا من الخير ما دمتم قادرين على اكتسابه، وتذكروا واحذروا أن تكونوا ممن يقول في يوم القيامة رَبّ ارْجِعُونِ لَعَلّى أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99، 100] ، واستحضروا هذا المشهد العصيب والموقف العظيم كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِىء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذّكْرَى يَقُولُ يالَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى [الفجر:21-24] ، فالسعيد حقًا من اغتنم أيامه، وحرص على تقديم ما ينفعه عند ربه، والبائس المغبون هو ذاك الذي لا تزيده الأيام من الله إلا بعدًا، يرى الأيام تمضي تباعًا فيفرح لقرب ترقية أو حصول علاوة أو تحقق أمنية وهو غافل عن طاعة الله مرتكب لما نهى الله، وما علم المسكين أن كل يوم يمر به يدنيه من قبره ويباعده عن دنياه. وما أجمل أن يعتني المسلم بوقته، فيعمره بالخير وعمل البر، ويعطي كل ذي حق حقه، ويعتني برأس ماله وهو أداء الواجبات والانتهاء عن المحرمات، ثم يسابق إلى الأرباح بفعل المستحبات والتزود بالأعمال الصالحات، فما ربح إلا المتقون، ولا خسر إلا المفرطون المتقاعسون. والحمد لله رب العالمين.
ضبط الوقت وأثره في إنتاجية المجتمع
صالح بن عبد الله بن حميد
مكة المكرمة
المسجد الحرام
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-ظاهرة إهدار الأوقات في الإجازة. 2- من سنن الله تعالى أن جعل الليل لباسًا والنهار معاشًا. 3- خطورة مخالفة سنن الله الكونية على الفرد والمجتمع. 4- أهمية ضبط الوقت وتنظيمه في رقي الأمم. 5- فضائل البكور وبركاته.
الخطبة الأولى
الحمد لله أولى من حُمِد، وأحبِّ من ذُكِر، وأحقِّ من شُكِر، وأكرمِ من تَفَضّل، وأرحمِ من قُصِد، أحمده سبحانه وأشكره، تَعَرّف إلى خلقه بالدلائل الباهرة والحجج القاهرة، وأنعم عليهم بالنعم الباطنة والظاهرة، والآلاء الوافرة المُتَكاثِرَة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مَدَّ الأرضَ فأوسعها بقُدْرِته، وقَدَّر فيها أَقْوَاتها بحكمته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، رفع ربُّهُ ذِكرَه فأعلاه وأجَلّه، وفي أعلا المنازل أكرمه وأحَلّه، صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، أعِزّة على الكفّار وعلى المؤمنين أَذِلّة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، بدعوتهم وطريقتهم تَتّحِد الكلمة، وترتفع أركان المِلّة، وسلّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، فالدنيا غير مأمونة، ومَن عَزَمَ على السفر والرحيل تَزَوّد بالمؤونة، ومن صَحّت نيّتُه، وأخذ بالأسباب جاءته من ربه المعونة، من عَلِم شَرَف المطلوب جَدّ وعَزَم، والاجتهادُ على قَدْر الهِمَم، والنفسُ إذا أُطْمِعَت طَمِعَت، وإذا أُقْنِعَت باليسير قَنِعَت، وإذا فُطِمَت انْفَطَمَت، اهتمّ بالخلاص أهل التُّقى والإخلاص، وفرّط المفرّطون فندموا ولاتَ حينَ مَنَاص، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] .