فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 788

أيها المسلمون، إن الحفاظ على الأوقات واستثمار الأعمار يحتاج إلى حزم وعزم وهمّة وقوّة إرادة، أما البَطَالة والكسل فهي داء وَبِيل ومرض خطير تنعكس آثاره السيئة على الأفراد والمجتمعات، ويسبّب الخمول والفقر والتخلّف المادّي والمعنوي، ويؤدّي إلى الرذائل والمنكرات، وإن يكن الشُّغل مَشْهَدةٌ فإن الفراغ مَفْسَدَةٌ، ومَن أكثر الرُّقَاد عُدِم المُرَاد، ومن دام كسله خاب أمله، وقل لمن يلتمس الملاهي لصرف وقته: أراك تحسب الحياة لهوًا، فهل تحسب الموت لهوًا؟! وقل لمن يصْرف الأيام بين الأوهام والأحلام: إن كنت تجهل مقدار ما تضيّع من الزمن فقف بالقبور مُلتَمِسًا من سُكّانها بُرْهةً من الوقت؛ لتعلم أنه العزيز الذي لا يُمْلَك، والفائت الذي لا يُستدرَك؟! وكم من قائل: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99، 100] ، فيُقال: كلا؛ إن العمر لا يعود! إن الفراغ لا يبقى فراغًا أبدًا، فلابد أن يُملأ بخير أو شرّ، ومن لم يشغل نفسه بالخير شغلته بالباطل. وقد كان السلف يكرهون من الرجل أن يكون فارغًا لا هو في أمر دينه ولا هو في أمر دنياه. وإذا اجتمع مع الفراغ صحة ومال صار خطرًا إن لم يُشغَل بالخير، وفي صحيح البخاري أن النبي قال: (( نعمتان مْغُبُون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) ) (8) [8] .

عباد الله، إذا لم يكن للمرء غرض صحيح يسعى إليه، وهدف سليم يطلب تحقيقه والوصول إليه؛ ضاع زمانُه، وما أتعب من يمشي بلا مقصد! والإنسان بلا غَرَضٍ كسفينة ليس لها قائد تتقاذفها الأمواج حتى تهلك، والأيام صحائف الأعمال، فخَلّدوها بأحسن الأعمال، والفرص تمرّ مَرّ السحاب، والتَّواني من أخلاق الخَوالِف، ومن استَوَطَأ مَرْكب العَجْز عَثَر به، وإذا اجتمع التَّسْوِيفُ والكسل تولّد بينهما الخُسران. بكى أحد الصالحين عند موته فقيل: ما يبكيك وأنت العبد الصالح؟! قال: أبكي على يومٍ لم أصمه، وليلة لم أقمها. والواقع أن كل من دنا أجله ندم على كل لحظة مرّت بلا عمل صالح محسنًا كان أم مقصّرًا. فهلاّ تداركنا أعمارنا.

إنك لترى في القرون الأولى خير قرون حرصًا شديدًا على أوقاتهم فاق حرص البخيل على ديناره ودرهمه، مما كان حصاده علمًا نافعًا وعملًا صالحًا وجهادًا وفتحًا وعِزًّا وحضارة راسخة الجذور باسِقَة الفروع، ثم إذا نظرت إلى واقع كثير من المسلمين اليوم انقلب إليك البصرُ حَسِيرًا، حين ترى إضاعة الأوقات وتَبذِير الأعمار جاوز حَدّ السَّفَه إلى العَتَه، حتى غدوا في ذيل القافِلة بعد أن كانوا آخذي زمامها.

وبعد: أيها المسلمون، من بُورِك له في عمره أدرك في يسير الزمن مِن مِنَن الله تعالى ما لا يُحصَى، وكم من موفّق لأعمال كثيرة في أزمنة يسيره، حتى إنك لتحسب إنجازاتهم ضربًا من الخوارق، وما هو إلا التوفيق والبركة واستثمار الوقت فيما ينفع، وخير مثال لذلك رسول الله الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، وغَيّر وجه التاريخ في ثلاث وعشرين سنة. وهذا عمر بن الخطاب يواصل ليله بنهاره يقول: (إن نمت الليل ضيّعت نفسي، وإن نمت النهار ضيّعت رَعِيّتي) (9) [9] ، فكيف النوم بين هذين! وقال ابن عَقِيل رحمه الله:"إني لا يحلّ لي أن أضيّع ساعة من عمري، حتى إذا توقّف لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة؛ أعملت فكري في حال راحتي وأنا مُسْتطرِح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطّره"، لذا فقد ألّف كتابه الفُنُون الذي قال عنه الذهبي رحمه الله:"لم يُؤلَّف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب". وقال ابن القيّم عن شيخه:"وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابته أمرً عجيبًا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة"، وقال الذهبي:"إن تصانيفه تبلغ خمس مائة مجلّدة"، هذا مع ما يقوم به من تعليم ودعوة وجهاد، وعند الترمذي بسند حسن أن النبي قال: (( من خاف أَدْلَجَ، ومن أَدْلَجَ بلغ المَنْزِل، ألا إنّ سِلْعَة الله غالية، ألا إنّ سِلْعَة الله الجنة ) ) (10) [10] .

بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنّة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الكريم المِفْضَال، جَزِيل العطاء والنَّوَال. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله وسلّم عليه وعلى جميع الصّحْب والآل.

أما بعد: أيها المسلمون، وحيث الحديث عن الوقت واستثمار العمر فيما ينفع فهذه هَمْسَة في أذن من صرف عمره، وخاطر بحياته في شبهات مظلمات أدّت للوُلوغ في دماء المسلمين.

شباب الإسلام، إن مصائب أمّتكم تَتْرا، وجراحها لم تزل حَرَّى، إلا أن جرحها النازِف وداءها الدَّوِيّ أن يكون مُصَابُها في شبابها، في قناعاتهم وتفكيرهم، وفي معتقداتهم وسلوكهم وحربهم وسلمهم، مصيبتها أن يَنُدَّ بعض شباب الأمة عن سِرْبٍ فيه العلماء والشيوخ والحكّام وأصحاب الرأي ممن يوازنون المصالح، ويدافعون أعظم المفسدتين بأخفّهما، شُرُودٌ تكون نتيجته جَزٌّ لأعناق، ودماء تُسْفَح وتُرَاق، في مواجهات ترى طَرَفَيها مُسلِمَيْن، وساحاتها بلاد الحرمين. لقد عَذَل العاذِلون، ونَصَح الناصِحون، وبيَّن العلماء الراسخون، فهل أنتم منتهون؟! كم أُريقت دماء كان أحرى أن تُصرف للبناء، متمسّكين في ذلك بغَرْز العلماء، سائرين على سَنن خاتم الأنبياء!

فنداء من مُشفِق ناصح لمن فارق الجماعة أن يعود، ولمن أخطأ أن يَسْتَعْتِب ويتوب، ولمن ظُنَّ به ظَنٌّ يخالف واقعه أن يُسلّم ليسلَم، ويزيل ما التبس ليأمن، والشجاعة ضروب، في ذُرَاها الاعتراف بالخطأ، وتحمّل تَبِعَاته. وأملنا وظنّنا أن تجدوا تَفَهّمًا وحكمة وعذرًا ورحمة، وإلا فكفّاراتٌ للذنوب وماحِيات للخطايا، وكلا الأمرين خير للمسلم من التمادي في الخطأ والإمعان في العناد، وما قدّره الله كائن، وله ـ سبحانه ـ الأمرُ من قبل ومن بعد، نعوذ بالله من مُضِلاّت الفتن.

ثم اعلموا ـ رحمكم الله ـ أن الله أمركم بالصلاة والسلام على خير البريّة، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي، ومن صلّى عليه صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا، اللهم صلِّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...

(1) أخرجه البخاري في الصوم (1975) ، ومسلم في الصيام (1159) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

(2) أخرجه بنحوه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/129) ، والسمعاني في أدب الإملاء (68) .

(3) أخرج أحمد (2/340) ، والبخاري في الأدب المفرد (265) ، والترمذي في البِرّ (1990) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، إنك تُداعِبُنا! قال: (( إني لا أقول إلا حقًّا ) )، قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح"، وأورده الألباني في صحيح الترمذي (1621) .

(4) أخرجه أحمد (6/264) ، وأبو داود في الجهاد (2578) ، وابن ماجه في النكاح (1979) ، من حديث عائشة رضي الله عنها، وأورده الألباني في صحيح أبي داود (2248) .

(5) أخرجه البخاري في الجهاد (2901) ، ومسلم في صلاة العيدين (893) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(6) أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2899) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت