فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 788

فأصحاب العقول الناضجة التي تدرك أمرها، وتستوعب الزمان بأدواره الثلاث"الماضي والحاضر والمستقبل"وتعمل فيها، كلٌ حسب وقته، وكلٌ حسب مستلزمات العقل فيه، هم أولي الألباب، فتكون الاستفادة من ماض بعمق وتحليل ووقوف وتأمل، والتقاط العبِر، حتى يمسي ذلك الماضي بعبره ودروسه ووقفاته وما فيه من إيجابيات، وسلبيات إيجابية!، جزءًا من كيان المرء ووعيه. وفي حجم القصص القرآني الذي يصل إلى ثلث الكتاب المبين، معنى فصيح في خبر الاتعاض بماض ووقوف عليه: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَة ٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَة ً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:111)

فالوقوف والاعتبار يكون هدى في كل شي، ويكون رحمة متسعة لكل شي، إذ قلب المؤمن وعاء لهما، فيكون منه التحرك الناضج بالاستفادة من تلك الخبرات المتراكمة، وتفعيلها في حاضره، بنور من الله؛ نور السماوات والأرض، فتتشابك الخبرة التاريخية مع الهمة والنضج الواقعي الحاضر، لينتجا وعيا بمستقبل، ومآلات الأمور، أولئك: على الحقيقة هم المتقون، إذ الرب يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر:18) .

ونظر النفس للغد يعني في العلم الحديث أن يكون له خطة، وأن يسير أموره بإدارة ووعي، و"مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ"تعني الغد البعيد القريب؛ اليوم الآخر، وتعني الغد القريب القريب الذي بعد هذه الليلة، مثلا بمثل، فإن توفر العقل والتقوى (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، لِأُولِي الْأَلْبَابِ، لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) ، فالسماع الواعي من القلب (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) فتكون التذكرة، (ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) ، فالتحرك الواعي ثمَ، (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) لتدارك العمر، ويكون العمل على بصيرة، (لِأُولِي الْأَبْصَارِ) وما البصيرة إلا عمل ببينة ووضوح.

وما ذاك إلا تخطيط وإدارة ووعي بالحياة وإدراك لأهمية الوقت فيها، وهو الإيمان الذي يحرك المؤمن والمؤمنة في القلب، ويحثه على أن يكون كريما في كل شي، إلا في وقته، فيمسكه بيده، وينفق منه على بينة من أمره، وهو فقه سماع آيات الله المنظورة والمسطورة هي التي تدفع لذلك، بذا نكون من أولي الألباب الذين:

يسمعون....

فيعقلون....

فيؤمنون....

فيتقون....

ويتفكرون....

فيذكرون....

(كونهم يعقلون) !

وكم يحرم المرء من خير كبير، وفقه عالي الجناب، إذ يغفل عن ذلك، وما نراه من تخبط في عرصات الحياة، إلا نتاج طبيعي لقلة وعي، وضمور نضج، كان سهل التناوش من كتاب كريم.

2/ إن انسجام المؤمن مع الكون الذي هو جزء منه، والكون مسخر له، وهو والكون مخلوقان من مخلوقات الله - تعالى - فلا تصدام بين نواميس الكون، إن أراد الإنسان الإستفادة من وقته: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا، كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ..

فالوقت مسخر لنا، بدقة وحساب رباني، وبشكل مفصل و موزون، وكل الكون يسبح في خطة وفلك ُرسم له، في أدوار واضحة محددة، تتوافق و ُسنة الخلق في الكون، وفي الإنسان، فالليل للراحة، فيه النوم والهدوء، والنهار للحركة والنشور، وكلٌ يجب أن يكون له فلك، ورسم يجري فيه، ومحور يتحرك عليه، مثله كمثل أي كوكب مضيء سيار، إذ هو مضاء بنور الله، ويسير على هدي مبارك، حدائه صراط مستقيم.

إن تبلد العديد من الدعاة في مسألة صناعة الأفلاك، ورسم المدارات، سواء على الصعيد الشخصي أو الدعوي، لهو ضرب من ضروب تضييع الوقت، في كبت لفطرة الله في النفس، وسنة الله في الكون، وتصادم مع خلق الله البديع، وما أمر الأمم المسيطرة اليوم على الدنيا إلا أمرٌ بيّن ظاهر للعيان، إذ هم تعبوا في اكتشافها من خلال الكتاب المنظور، وما أودع الله فيه من سنن، هي لمن اكتشفها، وهي بين يدي المؤمن في كتاب الله المسطور، لكنه غفل وابتعد، فحقت عليه سنة الله الماضية أنْ: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) .

3/ إن الله يمن على هذا العبد إن هو أدرك هذه النعمة الكبيرة، يمن عليه بأن، يستشعرها، ويتذوقها، ويحس بها تسري في جسده قبل وقته: (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا، عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا، وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ، وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ...

فهو الرزق الوفير من عند من يملك خزائن السماوات والأرض، وليس هو المال الرزق فحسب، بل الرزق معنى كبير؛ منه رزق راحة البال، والشعور بالسعادة، وتحقيق الأهداف، والإنجازات، وهو رزق بغير حساب، مفتوح العدد والنوع والكم.

وهي العزة تسري في روح المؤمن بهذا الفقه لحركة الكون، وحركته فيه، وهو العلم يستمده من العليم سبحانه، فما شرف الوقت إلا بالعلم، وما أدركنا قيمة الوقت إلا بالعلم، وهو فتح من العليم سبحانه.

ثم هي البركة تزرع في العمر، فيكون الوقت الضيق مباركا، تقضى فيه أعمالا ً كثيرة، وتطوى فيه الأوقات حتى يقضي المؤمن وطره منها، فيكون الخير، ويكون تنوع العمل، والإكثار، و إن نحن إلا في مزرعة، نريد الحصاد عند مليك مقتدر، ويكون مع الولادة اليومية نوع من زغاريد أهل الإيمان، فيكون شهود للمؤمن مع كلام الله، يترنم مع أصوات الكائنات الفرحة، كأنه فرح بمولود جديد، هو يوم مبارك يعلو فيه صوته مع تنفس الصباح، فيكون نفَسه القرآني مع نفَس الصباح الرباني، ويشرق الخير، وينشرح الصدر، فيكون ثم َ الشكر لله - تعالى - في كل عمل، ويكون تذكر العزة لله، فالعمل الدائم بما يرضيه، ويقرب العبد منه، وهو الله الغفار عن تقصير، وزلل، وهفوات، تبدر من مؤمن حريص، أدرك فقه الوقت، وعمل، وجاهد، فأستغفر، واستشعر أن الله يخبر أمره، ويدرك ما يفعل، فلا يتحجج بكسل وفتور، إذ الرب عليم بذات الصدور.

هذه أسس ٌ ومنطلقات ربانية في مسألة الوقت والحياة والعمر، وأنا أزعم أن الأوقات التي تنفق في إعداد الدعاة، لسنوات، وتعلمهم الكثير من المعلومات الثقافية، أزعم أنها لو أنفقت على ترسيخ هذا المبدأ الكبير، الذي يغفل عنه الكثير من الناس، لكان أولى وأجدى، إذ به يكون الفلاح بعده ويكون الإنتاج أوفر وأعمق وأطول وأنضج وأجمل وأرقى، وما نحن إلا خلفاء لله في أرضه، وورثة الأنبياء في علمهم.

إن الكثير من الدعاة، وعامة أهل الإسلام، لا يدركون قيمة الوقت في حياة أمتهم، وإن حدث منهم بعض وعي فتراه مشوشًا غير متضح المعالم، في ترتيب أولوياته، أو إبراز أولياته، فتجد وعيا بقيمة الوقت، ولا تجد فهما لاستغلاله كما يجب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت