فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 788

أيها المؤمنون .. الوقت هو ثمرة العمر طيبة كانت أو خبيثة .. وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله: ( السنة شجرة، والشهور فروعها، و الأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل ) .

ولعلنا نتساءل: متى يعرف المفرط قدر الوقت وقيمة العمل؟

ذكر الله تعالى في القرآن العظيم موقفين يندم فيهما الإنسان على ضياع الوقت والحياة ، ويعلم أنه كان مغبونًا خاسرًا في حياته .

الموقف الأول: ساعة الاحتضار .. حينما ينزل الموت بالعبد المفرط (فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين) .. إنه يريد تأخير الأجل ولو قليلًا من الوقت (إلى أجل قريب) .. إنه يريد فرصة من الوقت ليتدارك حياته بالعمل الصالح .

الموقف الثاني: في يوم القيامة .. حين يقول المفرط في جنب الله حين يرى العذاب (لو أن لي كرة فأكون من المحسنين) .. (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) .

وإذا أردنا أيها الأحبة أن ندرك أهمية الوقت وخطورته فلنتأمل بعض خصائصه . فمن خصائص الوقت:

1)أن ما مضى منه لا يعود ولا يمكن تعويضه . كما قيل: الوقت كالسيف ، إن لم تقطعه قطعك .

يقول الحسن: ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم ، أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني لأني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة .

2)سرعة مروره وانقضائه ، فالوقت يمر مر السحاب ولاسيما عند الصحيح المعافى من الأمراض والهموم ، كما قيل:

فقصارهن مع الهموم طويلةٌ وطوالهن مع السرور قصار

ومن العجيب ، ما جاء في السنة من أن الوقت يتقارب ويمضي سريعًا في آخر الزمان .

فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كالضرمة بالنار"رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع .

3)أنه محدود بأجل مسمى ، وهذا الأجل مجهول بالنسبة للإنسان ، فأنت لا تدري متى تنقطع أنفاسك ويحل أجلك ، (فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) .

4)أنه أنفس ما يملكه الإنسان ، وليس كما قيل: الوقت من ذهب ، بل هو أغلى من الذهب لأنه لا يمكن تعويضه .

5)أنه على الرغم من نفاسته وأهميته فإن أكثر الناس مغبونون فيه ، يقول الناطق بالوحي صلى الله عليه وسلم: {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ} [رواه البخاري عن ابن عباس] .

قال ابن بطال: (كثير من الناس) أي أن الذي يوفق لذلك قليل.اهـ

وإنما يعرف قدر هاتين النعمتين من حُرِمها .

هل تأملت أخي الشاب ذلك الشاب الذي تعرض لحادث سيارة فأصبح مشلولًا مقعدًا طوال حياته لتعلم كم أنت مغبون في صحتك .. وهل تأملت آخرين ممن يعيشون خلف القضبان وبين الجدران في السجون لتعلم كم أنت مغبون في فراغك .

ومن العجيب أنك قد ترى بعض المرضى والمشلولين والمسجونين يستثمرون أوقاتهم بصورة صحيحة وجيدة ، أما الذين أصح الله أجسادهم ، وعافاهم من الأمراض والمشغلات المقلقة ، فإنهم يتسابقون في تضييع الأوقات وقتلها .

6)أن هذا الوقت هو محل الحساب يوم القيامة ، وكل إنسان محاسب على أوقات عمره كلها لأنها وعاء الأعمال والأقوال ، كما قال تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) .

وقد روى الترمذي وغيره بسند صحيح عن أبي برزة الأسلمي عن النبي قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه فيم فعل فيه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن جسمه فيم أبلاه) . وفي رواية (وعن شبابه فيما أبلاه) كما في حديث ابن مسعود عند الترمذي ومعاذ عند البيهقي وغيره .

إذا عرفنا خصائص الوقت وشرفه وأهميته ، فإننا لا بد من استغلال الوقت بالأعمال النافعة في الدنيا والآخرة .

أيها الإخوة .. إنه لمن المؤسف أن نرى هذا الضياع الذي يعيشه الكثير من الناس في الإجازة .

بل إن كثيرًا من المشاكل والسلوكيات السيئة بل والجرائم تزداد في أوقات الإجازة .

في حوارات سريعة مع بعض طلاب المرحلة المتوسطة بالمنطقة الشرقية ، كانت النتائج تنم عن مأساة يقع فيها أولادنا في الإجازة . ما هو أبرز شيء عملته في الإجازة؟ هذا يقول:

1.في السهر مع الاصدقاء على الكورنيش الى الفجر .

2.الدوران على السيكل من الساعة 8 مساء الى 10 صباحًا.

3.في النوم ولعب السوني .

4.مع أصحابي الأكبر مني سنًا بالدوران بالسيارة متنقلًا بين مدن المنطقة الشرقية .

5.الوناسة مع اصحابي وجلسات الغناء والرقص .

6.الذهاب لشاطيء نصف القمر والتفحيط والتطعيس .

وهكذا عند الفتيات .. ففي استبيان أجراه موقع (لها أون لاين) على مائة فتاة تراوحت أعمارهن بين 15 إلى 24 سنة في المراحل المتوسطة والثانوية والجامعيات حول وجود التخطيط لقضاء الإجازة تبين أن 60% من العينة ليس بذهنهن أي مخطط لقضاء الإجازة الصيفية بينما 40% لديهن مخطط يسعون إلى تنفيذه .

-وبسؤالهن عن كيفية قضاء الإجازة غلبت السلبيةُ على الإجابات.

50% من الإجابات قالت بأنه لا شيء محدد تنوي فعله أو تفكر فيه وهي تعيش أيام الإجازة يومًا بيوم .

30% قالت أنها ستسافر لتستمتع بالإجازة، ومنهن من قالت إنها ستقضي إجازتها في التسوق وأخرى في المناسبات والأفراح .

وبلغت نسبة من رغبن بالالتحاق بدورات علمية أو حاسب أو تعلم الطبخ أو مركز صيفي 10% من العينة فقط .

-أما بالنسبة للنوم في النهار والسهر في الليل أيام الإجازة.

أجابت 46% أنهن يسهرن الليل وينمن بالنهار .

46% قلن: إنهن ينمن بالليل ويجعلن النهار للاستمتاع والزيارات .

13% قلن: أحيانًا نسهر الليل وأحيانًا ننامه .

وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن الله يبغض كلَّ جَعْظَريٍ جَوَّاظ ، سَخَّابٍ في الأسواق ، جيفةٍ بالليل ، حمارٍ بالنهار ، عالمٍ بالدنيا جاهلٍ بالآخرة ) ). رواه ابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة وفي سنده كلام ، فقد صححه الألباني في صحيح الجامع ثم رجع عن تصحيحه في السلسلة الضعيفة.

والجَعْظَري هو الفظ الغليظ المتكبر . والجواظ هو الجموع المنوع .

وتأمل في آخر الحديث .. كم من شاب ينطبق عليه هذا الوصف: سخاب في الأسواق (من السَّخَب وهو الضجة ورفع الصوت) ، جيفة بالليل ، حمار بالنهار ، عالم بالدنيا جاهل بالآخرة !!. نسأل الله تعالى أن يصلح أحوالنا ويردنا إليه ردًا جميلًا ، إنه جواد كريم ، والحمد لله رب العالمين .

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا وهو العزيز الغفور .. والصلاة والسلام على البشير النذير ، والسراج المنير ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المصير .

عباد الله .. الإجازة ليست كما يظن بعض الناس مضيعةً للأوقات ، وليست فرصةً للمعاصي والمنكرات ، فما دمنا نأكلُ من رزق الله ، ونمشي على أرضه ، ونستظلُ بسمائه ، ونستنشقُ من هواءه ، فلا ينبغي لنا أن نعصيه طرفة عين .

ذكر ابن قدامة في كتاب التوابين عن يوسف بن الحسين قال: كنت مع"ذي النون المصري"على شاطئ غدير ، فنظرت إلى عقرب عظيمة على شط الغدير واقفة ، فإذا بضفدع قد خرجت من الغدير ، فركبتها العقرب فجعلت الضفدع تسبح حتى عبرت الغدير .

قال ذو النون: إن لهذه العقرب لشأنًا، فامض بنا نتبعُها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت