(ولا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها ، سواء كان ذلك لكونها مرضعًا أو لكونها قابلة أو غير ذلك من الصناعات ، وإذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه كانت ناشزة عاصية لله ورسوله ومستحقة للعقوبة) (11) .
وهكذا فخروجها للعمل بغير إذن زوجها نشوز عن طاعة زوجها وعصيان لله ولرسوله فكيف إذا خرجت للتزاور أيًا كان السبب ؟!! ولو كان ذلك لزيارة والديها المريضين.
(للزوج منعها من الخروج من منزلها إلى مالها منه بد ، سواء أرادت زيارة والديها ، أو عيادتهما ، أو حضور جنازة أحدهما. قال أحمد في امرأة لها زوج وأم مريضة: طاعة زوجها أوجب عليها من أمها ، إلا أن يأذن لها) (12) .
وحتى الخروج للعبادة تحتاج معه إلى إذنه"عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد للعبادة فأذنوا لهن".
وعن ابن حبان من حديث زيد بن خالد: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"قال القسطلاني: أي إذا أمنت المفسدة منهن وعليهن ، وذلك هو الأغلب في ذلك الزمان ، بخلاف زماننا هذا الكثير الفساد والمفسدين وقد ورد في بعض طرق الحديث ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد وذلك في رواية حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر بلفظ:"لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن"، وحديث عائشة رضى الله عنها في منع النساء علقته على شرط لو رأى رسول الله ما أحدثته النساء."
وفى رواية عند البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا:"إذا استأذنت امرأة أحدكم - أي أن تخرج إلى المسجد أو ما في معناه كشهود العيد وعيادة المريض - فلا يمنعها".
قال القسطلاني. وليس في الحديث التقييد بالمسجد ، إنما هو مطلق يشمل مواضع العبادة وغيرها.
ومقتضى الحديث: أن جواز خروج المرأة يحتاج إلى إذن الزوج) (13) .
أما قول القائل: إنهن لا يخرجن من بيوتهن مطلقا لقوله تعالى: (( وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ) )فليس بحجة له بدليل قوله تعالى بعدها: (( ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى (( والمقصود به عند خروجهن.
( ومعنى هذه الآية: الأمر بلزوم البيت وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى هذا لو لم يرد دليل يخصص جميع النساء ، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة) (14) .
(وليس معنى هذا الأمر ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاقًا ، وإنما هي إيماءة لطيفة إلى أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن وهو المقر وما عداه استثناء طارئًا لا يثقلن فيه ولا يستقررن وإنما هي الحاجة وتقضى وبقدرها) (15) .
وقد عرف عن أمهات المؤمنين والصحابيات أنهن كن يخرجن في حوائجهن وللمشاركة في الغزو.
(فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا فيسقين الماء ويداوين الجرحى) (16) .
وفيه خروج للنساء في الغزو والانتفاع بهن في السقي والمداواة لمحارمهن وأزواجهن وغيرهم مما لا يكون فيه مس بشرة إلا موضع الحاجة.
وهذه أم عمارة تحدثنا حديثها يوم أحد:(خرجت أول النهار ومعي سقاء فيه ماء ، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والريح والدولة للمسلمين ، فلما انهزم المسلمون ، انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أباشر القتال وأذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وأرمى بالقوس حتى خلصت إلّى الجراحة.
وعن عمر رض الله نه عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما التفت يوم أحد يمينًا ولا شمالًا إلا ورأيتها تقاتل دوني) (17) .
وتستأذنه صلى الله عليه وسلم أم سنان الأسلمية في الخروج إلى خيبر للسقيا ومداواة الجرحى فقال لها عليه الصلاة والسلام: »فإن لك صواحب قد أذنت لهن من قومك ومن غيرهم فكوني مع أم سلمة« (18) .
وفي خيبر أيضًا عن امرأة من بني غفار قالت: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من بني غفار فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا - وهو يسير إلى خيبر - فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال:"على بركة الله"فخرجنا معه) (19) .
(حتى المقعدة فلها الخروج في حوائجها نهارًا ، سواء كانت مطلقة ، أو متوفى عنها ، لما روى جابر قال: طُلقتْ خالتي ثلاثًا فخرجت تجذ نخلها فلقيها رجل فنهاها ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"اخرجي فجذي نخلك لعلك أن تتصدقي منه أو تفعلي خيرا".
وروى مجاهد قال:"استشهد رجال يوم أحد فجاءت نساؤهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلن. يا رسول الله نستوحش بالليل أفنبيت عند إحدانا فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحدثن عند إحداكن حتى إذا أردتن النوم فلتؤب كل واحدة إلى بيتها" (20) .
ويدخل الرسول صلى الله عليه وسلم على عائشة رضى الله عنها وعندها امرأة قال: من هذه ؟ قالت: فلانة ، تذكر من صلاتها ، قال:"مه ، عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا ، فكان أحب الدين إليه مادام عليه صاحبه" (21) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان.
كما طلب من الشفاء - وهى من المهاجرات الأول وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت من عقلاء النساء وفضلائهن - قال لها صلى الله عليه وسلم: »علمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة« (22) .
وكيف يكون تعليمها إلا بلقائها معها وخروجها إليها.
فهذه كلها حالات تخرج فيها المرأة بمعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم وإقراره بخروجها أو أمره وإذنه الصريح به ، فلو كان المقصود بالقرار في البيت عدم الخروج المطلق لنهى عن الخروج ولما أذن به.
ثم إن الحبس الدائم للمرأة في البيت ما هو إلا عقوبة شرعية - كان قبل أن يشرع حد الزنا فنسخت هذه العقوبة بالحد الشرعي - أقول كان الحبس في البيوت للمرأة التي تأتي الفاحشة وذلك لقوله تعالى: (( واللاَّتِي يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ) ) [ النساء:15 ] .
أما المرأة العفيفة الملتزمة بأحكام دينها ، والتي تراقب الله تعالى في حركاتها وسكناتها فهي تقدر شرف مهمتها وعظم مسئوليتها: إنها إن قرت في بيتها فهي في عمل واعٍ يقظ ، لا فراغ اللاهيات ولا تفاهة العابثات من ربات الفيديو والأزياء والسينما...
إنها تعد لأمتها الإسلامية أبطالها الذين يستعيدون مجدها فتربيهم على الاعتزاز بقيم الإسلام ليفدوه بأنفسهم إن واجههم الخصوم ، ويعملون وسعهم لإعلاء كلمة الله.
وإن أرادت الخروج من بيتها فلن يكون ذلك إلا إن كانت المصلحة الشرعية في الخروج راجحة عنها في البقاء.
وإن خرجت: فبالحدود المشروعة وبالطريقة المشروعة ، تستأذن الزوج المسلم ولا تخرج بغير إذنه ، وإلا اعتبرت عاصية لمله ولرسوله ، وبالمقابل فزوجها المسلم يرعى الله فيما ائتمنه ، فيحرص على أن يبعدها عن الشبهات ومواطن الزلل. ويأخذ بيدها إلى كل خير ، ليشاركها أجرها سواء كان زيارة أقاربها وصلتهم أو بر والديها ، أو صلة أخواتها في الله ، أو العلم المشروع.