عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلًا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله. أي الناس أحب إلى الله؟ قال: »أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله -عز وجل- سرور تدخله على قلب مسلم"."
فلنحرص على نفع المسلمات وإدخال المسرة على قلوبهن ، ولا نبخل بنعمة حبانا الله إياها أن نخدم بها مسلمة فنفرج بها كربتها ونعمل ما فيه مصلحتها ، وندعوها إلى اتباع الخير الذي نريده لأنفسنا، قال تعالى: (( والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) [التوبة 71] .
ولا تقول المسلمة: مالي وللناس، فإني أدعهم وشأنهم ولا أتدخل في خصوصياتهم، نعم ذلك في أمور الدنيا المباحة التي يستوي فيها عملها وتركها »فمن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه« أما ما فيه خطر محقق وحتى لو كان ذلك في أمور الدنيا، فالواجب النصح فالدين النصيحة.
إن المؤمنة عليها مهمة النصح والدعوة إلى دينها على قدر ما تستطيع، ومن روائع ما روته لنا السيرة ، قصة الصحابية الجليلة أم سليم.
(كانت أم سليم أم أنس بن مالك من السابقات للإسلام من الأنصار خطبها أبو طلحة قبل أن يسلم وبعد وفاة زوجها فقالت: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبده نبت من الأرض، قال: بلى. قالت: فلا تستحي أن تعبد شجرة؟! إن أسلمت فإني لا أريد صداقًا غيره. قال: حتى أنظر في أمري. فذهب ثم جاء. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فقالت: يا أنس زوج أبا طلحة. فزوجها) (27) .
إنه مهر كريم لامرأة داعية كريمة ، دعته إلى عبادة الله وحده ، والبعد عن الشرك به ، فشرح الله صدره وآمن فأكرِم به من مهر.
وما هلك بنو إسرائيل إلا لتركهم فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (( كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) )أما اعتزال الناس اعتقادًا بعدم صلاحهم، فهو كما يقال: آخر الدواء الكي ذلك أننا(حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحًا أو أطيب منهم قلبًا ، أو أرحب منهم نفسًا ، أو أذكى منهم عقلًا لا نكون قد صنعنا شيئًا كبيرًا. لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلها مؤونة.
إن العظمة الحقيقية أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع.
إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العالية ، ومثلنا السامية ، أو أن نتملق هؤلاء الناس ، ونثني على رذائلهم أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقًا. إن التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يطلبه هذا التوفيق من جهد هو العظمة الحقيقية) (28) .
وهكذا ... فبعد أن تتعهد المسلمة نفسها بالإصلاح فتلتزم السنة وتعض عليها بالنواجذ، تساهم بالدعوة إلى الخير بين النساء. وهذا واجب ديني تأثم إن قصرت به، مهما كان مستواها الثقافي، فتعمل بقدر طاقاتها وإمكانياتها، تأمر بالمعروف بلفظ لين وقول لطيف، والله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم (( ولَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) ) [آل عمران 159] ، ترفق بمن حولها ، توقر الكبيرة وترحم الصغيرة ، ولا تنسى أنها صاحبة هدف جليل تسعى لتحقيقه بأسلوب يرضي الله تعالى ويؤدي للنتيجة التي ترجوها.
فكما يسعى أصحاب الأهداف الدنيوية لتحقيق أهدافهم، فيتحسسون مداخل نفوس من يتعاملون معهم، ليعرفوا كيف الوصول لغايتهم، يجب أن نكون نحن المسلمات أكثر اهتمامًا بمعرفة من ندعوهن لتكون دعوتنا كما أراد الله تعالى: (( ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ) [النحل 125] .
2-الإصلاح بين المؤمنات:
كما نجعل من زياراتنا مجالًا خصبًا للإصلاح بين الناس ، فإن عمل الشيطان على إثارة العداوة بين المسلمات نزيلها بالإصلاح بينهن، فإن إزالة الخصام دليل سمو النفس التي تعمل على إشاعة المودة بين الآخرين، ليحل الوفاق محل الشقاق، والصلة مكان القطيعة، لذا كانت درجة من يصلح بين الناس أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة التطوع لا الواجبة .
عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: »إلا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة«. ويروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: هي الحالقة: لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين«.
ذلك أن الإفساد بين الآخرين يؤدي إلى القطيعة التي حرمها الشرع كما جاء في الحديث الشريف:»لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (29) ."
وقال صلى الله عليه وسلم منفرًا من الشحناء والقطيعة ومبينًا سخط الله تعالى على المتقاطعين حتى يصطلحا: »تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا ثلاثًا« (30) .
فإن حصلت جفوة بين المسلمات نسارع إلى الإصلاح بينهن للتغاضي عن هفوة المخطئة، فإذا بالعيش صافيًا بعد كدر ، والوداد عاد بعد الجفاء.
والواجب أن تقبل عذر من تعتذر، لا أن تشيح بوجهها بعيدًا عن أختها ، إصرارًا على مواصلة القطيعة، وعدم قبول العذر: إذ من شرار الناس من لا يقبل عثرة، ولا يقبل معذرة كما بين الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله، قال: إن شراركم الذي ينزل وحده، ويجلد عبده، ويمنع رفده. أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله. قال: من يبغض الناس ويبغضونه، قال: أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله. قال: الذين لا يقبلون عثرة ولا يقبلون معذرة ولا يغتفرون ذنبًا، قال: أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول الله: قال: من لا يرجى خيره ولا يؤمن شر5" (31) ."
الهوامش:
1-رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
2-أخرجه الترمذي في البر والصلة من حديث جابر وحسنه. وهو في المسند 4/193، وانظر شرح السنة 12/367.
3-صحيح مسلم بشرح النووي 12 / 213. 4- رواه الترمذي / 2583.
5-أخرجه أبو نعيم في الحلية مرسلًا ، وأخرجه الحاكم 4 / 306 موصولًا. ينظر شرح السنة 14/224.
6-صيد الخاطر / 142. 7- رواه البخاري في الرقاق ،والترمذي في الزهد.
8-فتاوي ابن تيمية 1/426. 9- مصنف ابن أبي شيبة 8 / 564.
10-الفتاوى لابن تيميه 32/من260-264 بإيجاز. 11- الفتاوى لابن تيمية 32/281.
12-المغني 7/20. 13- عون الباري 2/285-287باختصار.
14-أحكام القرآن للقرطبي 14/179. 15- في ظلال القرآن ، سيد قطب ، 5/2859.
16-شرح صحيح مسلم 12/88. 17- الإصابة 4/457.
18-الإصابة 4/443 19- البداية والنهاية لابن كثير ، 4/204.
20-المغني 7/226. 21- فتح الباري 1/101.
22-الإصابة 4/333. 23- الفتاوى 10 / 661.
24-رواه البخاري ، ومسلم. 25- شرح صحيح مسلم 2 / 73.
26-متفق عليه. 27- الإصابة 4/442.