الحمد لله الواحد العزيز الوهاب ، موفق العباد لما ينجيهم من أليم العقاب ، وما يكون لهم ذخرًا يوم الحساب ، والصلاة والسلام على خير خلق الله المصطفى الأواب ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحساب ما بعد:
أيها المسلمون ، من أعظم نعم الله على العبد أن يوفق للخير والطاعة ، وأن يوفق لكل ما يحبه الله ويرضاه ؛ بل هو دليل على رضاء الله عن العبد ، ومن وجد ذلك فليحمد الله وليخلص في عمله ويزيد منه ، { والذين اهتدوا زادهم هدىً وآتاهم تقواهم } ، وإن من المواسم التي ينقسم فيها الناس في كيفية الاستفادة منها موسم الإجازة الصيفية حيث توفرُ الوقت الكبير مع قلة المشاغل ، وراحةُ البال ، وفي بعض الأحيان وفرةُ المال ، فالتوفيق والتسديد في استغلال هذه الإجازة منحة ربانية،وأعطية إلاهية ،نسأل الله أن لا يحرمنا وإياكم منها ، وحتى نكون ممن وفق وسدد لاستغلال هذه الإجازة على الوجه المرضي، علينا بالرجوع إلى الوصايا التي أوصانا بها مولانا في كتابه أ و على لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، وإليكم هذه الوصايا المعينة والتي بإذن الله تكون سببًا في التوفيق والتسديد في هذه الإجازة وهي ليست جامعة لكل شيء ولكل لعلها ذكرت بعض المهم مما يجب فنقول وبالله التوفيق ومنه الإعانة والتسديد:
الوصية الأولى: قال سبحانه: { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله } وصية الله للأولين والآخرين للكبار والصغار والرجال والنساء وللأغنياء والفقراء لكل أحد ، تقوى أيها المؤمنون:أيها الشباب ينبغي أن تكون ملازمةً لنا في سفرنا وحضرنا ،في برنا وبحرنا وجونا، في السوق والمنزل ،والعمل والشارع،وفي أماكن الترفيه وأمام الشاشات ، وفي المهرجانات ، وفي قصور الأفراح والاستراحات لاتنس أخي المسلم وصية ربك في خضم الفرحة والسرور، واعلم أن الذي أنعم عليك بهذا الفرح يستطيع أن يسلبك إياه في لحظة واحدة وفي غمضة عين، فعليك بتقوى الله التي بها تزيد النعم وترفع النقم، بأن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية باتباع أوامره واجتناب نواهيه ولنتق الله حق التقوى ، وهي التي قال عنها ابن مسعود:"أن يطاع الله فلايعصى ، ويشكر فلا يكفر ، وأن يذكر فلا ينسى"أ.هـ {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } .
الوصية الثانية: جاء في الأثر الصحيح: ( اغتنم خمسًا قبل خمس ، حياتَك قبل موتك ، وصحتَك قبل سقمك ، وفراغَك قبل شغلك ، وشبابَك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك) .
هذه الوصية الجامعة لكل خير تدور حول أمر واحد وهو استغلال الحياة والعمر في طاعة الله وما يقرب من الله قبل أن تحول بينك الحوائل وتعوقك العوائق ، فيا من تتمتع بالصحة والعافية والوقت والشباب والغنى تذكر نعمة الله عليك ولا تفرط فيها واغتنم هذه الفرص التي إذا ذهبت لن تعود ، فإذا ذهب الشباب فلا يعود وإذا جاء الموت فلا رجعة ، اغتنم هذه الإجازة والفراغ قبل أن تأتي الشواغل فلا تستطيع التقرب و لا العبادة والاستفادة ، وإليك بعضَ المقترحات التي قد تساهم في شغل الوقت والفراغ فيما يعود علينا بالنفع إذا كان الإنسان جادًا وصادقًا وقد عقد العزم على الاستفادة منها ، ومن هذه المقترحات:
أولًا: شغل الوقت بكتاب الله ، إما بالتسجيل في حلق تحفيظ القرآن للكبار والموظفين والشباب والصغار والنساء ، ومحاولةُ الاستفادة وحفظُ كتاب الله واتقانُ تلاوته حتى ننال أعلى الدرجات ونقرأه كما يريده ربنا جل وعلا ، أخي الحبيب لعلك تتقبل منى هذا العتاب ولا يكن في صدرك حرج علي ، أليس من النقص والعيب أن تصبح شابًا يافعًا وقد تكون تدرس في إحدى المدارس الثانوية أو إحدى الجامعات ، أو تكونَ ربًا لأسرة وأبناء ، وأنت لا تستطيع قراءة القرآن القراءة الصحيحة ، وإذا ما كُلِّمت تقول: لا أجد الوقت ، إن شغل ساعات عمرك في كتاب الله هي من أفضل القربات وأعظم الحسنات وأكثرها فالله الله فإن الذي يتلو القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة ،
وهمسة أخرى إلى من يقرأ القرآن ولكنه لم يحفظه وتمر عليه السنوات وهو يفرط في هذا الفضل العظيم ، نقول ولله الحمد انتشر في الآونة الأخيرة الدورات المكثفة لحفظ القرآن كاملًا أو نصفه خلال أشهر الإجازة ، فما أعظمها من غنيمة باردة تقدم بين يديك وتقضي على التسويف الذي أضاع عمرك ، وتذكر قول نبيك الكريم صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) وقوله: (أقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه ) .
ثانيًا: استغلال الإجازة بتحصيل العلم النافع فإن طلب العلم وتعلم العلوم الشرعية من أعظم القربات فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة ) ، ويقول: صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) فإذا وفق الإنسان لطلب العلم هذا دليل على توفيق الله ورضاه عنه ، وقد يسر الله لنا في هذه الإجازة الدروس والدورات العلمية المكثفة في المساجد في غالب المدن ولله الحمد والمنة ، فيا أخي احرص على هذه العبادة العظيمة التي لم يأمر الله نبيه أن يطلب الزيادة من شيء سوى العلم فقال جل وعلا: ( وقل رب زدني علمًا ) ، والآن هذه الدروس في المساجد وتسجل وتباع في التسجيلات وتبث في بعض وسائل الإعلام الحديثة وغيرها، فياأخي المسلم اجعل هذه الإجازة نقطة تحول لك ولعائلتك ولأبناءك وأنت أيها الشاب عليك بالجد واستغلال الوقت فيما ينفع أما يكفي ما مضى من أعمارنا .
ثالثًا: المراكز الصيفية والأنشطة الثقافية والمخيمات الصيفية التي تقام في بعض الأماكن السياحية ، فاحرص أيها الشاب يامن تشتكي من الفراغ على شغل وقتك فيما يعود عليك بالنفع وينمي مهاراتك ويصقل شخصيتك حتى تكون عضوًا نافعا لنفسه ودينه وأهله ومجتمعه .
رابعًا: مجاورة بيت الله الحرام والمسجد النبوى والإكثار من ذكر الله والطاعة .
خامسًا: المبادرة بعقد دوريات بين الأقارب والجيران والأصحاب واستضافة بعض الدعاة وطلاب العلم لعقد مجالس للعلم والدعوة وذكر الله ولا بأس من الترفيه عن النفس بالمباح ومتابعة المفيد النافع في المجلات النافعة.
سادسًا: الحرص على شغل الوقت في اكتساب بعض المهارات والحرف التي تنفعك أيها الشاب في مستقبلك القادم مما يزيد في فرص العمل الوظيفة لك ، كتعلم الحاسوب والمهارات والعلاقات العامة وغيرها مع عدم الغفلة عما سبق ذكره .
الوصية الثالثة: يقول سبحانه: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} وَقَالَ سبحانه: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} ، أيها الأخ المبارك ، من أعظم ما يتعرض له المسلم في الوقت الحاضر ويزداد في أوقات الإجازة النظر إلى ما لايحل والذي يكون سببًا في الوقوع في المحرمات بل وفي الفواحش الكبيرة في بعض الأحيان -أعاذنا الله وإياكم منها - ، فيجب على الإنسان أن يمتثل أمر ربه فيغض بصره عن كل ما حرم الله ويجتنب الأماكن التي تكون سببًا في الوقوع في ذلك وإليك بعضًا منها:
أولًا: الحذر من التمادي والغفلة في النظر إلى الشاشات و القنوات فكم هتكت من ستر البيوت وأعراض العفيفات ، وكم هيجت من الشهوات الكامنة ، فاحذر أخي أن تلقي بنفسك إلى التهلكة والطريق الموحشة .