فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 788

كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في ميزان التصارع العقائدي، كانتا دومًا في تاريخ التوحيد الطويل، تأخذان التعب من أجيال الدعاة من النبيين والصديقين والراشدين والتابعين ومن لحقهم بإحسان على مر القرون، فكلهم بالتعب كانوا يفرحون يأبون إلا العلوفي الحياة ونحن إن شاء الله بهم لمقتدون.

كان تعبهم يتمثل أحيانًا بحركة يومية دائبة في الإنذار والتبشير، والتجميع والتبصير، أوسهرًا على رعاية مصالح المسلمين. ويتمثل أحيانًا في انكباب على التعلم واجتياز المفاوز لحيازة حديث أوكلمات فقه.

ويتجسد في أخرى قتالًا، وتحفيزًا دائمًا لجهاد وعلوموت. وفي أخرى إشغالًا للفكر في التخطيط. فإن أخذوا راحة، واستلقوا على ظهورهم: لبث ذهنهم يصطاد الخاطر. وكل ذلك حكى التاريخ، ليتعلم الدعاة اليوم.

نطق بالليل والنهار:

فأول من يطالعنا: الأنبياء - عليهم السلام -. كان لسانهم ناطقًا بالليل والنهار، والإعلان والإسرار. قال - تعالى -مخبرًا عن نوح - عليه السلام: {قال رب إني دعوت قومي ليلًا ونهارًا} ، ثم قال: {ثم إني دعوتهم جهارًا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا} .

ونطق أثناء خطوات الهجرة:

"والواقع أن الداعي إذا كان صادقًا في دعوته منشغلًا بها لا يفكر إلا فيها ولا يتحرك إلا من أجلها ولا يبخل عليها بشيء من جهده ووقته لم يشغله عنها شاغل أبدًا حتى في أحرج الساعات وأضيق الحالات وأدق الظروف، وهكذا كان رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فعندما هاجر إلى المدينة ومعه أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - لقي في طريقه بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه فيما بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا. وهذ يدل أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يغفل عن الدعوة إلى الله حتى وهوفي طريقه مهاجرًا إلى المدينة والقوم يطلبونه".

ونطق في السجن:

"ويوسف - عليه السلام - عندما دخل السجن مظلومًا لم يشغله السجن وضيقه عن واجب الدعوة إلى الله ولهذا فقد اغتنم سؤال السجينين عن رؤيا رأياها، فقال لهما قبل أن يجيبهما ما أخبرنا الله به: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} "

الراشد يمنع النوم:

وقاربهم الصديق أبوبكر - رضي الله عنه - حتى قال عند وفاته:"والله ما نمت فحلمت، ولا توهمت فسهوت، وإني لعلى السبيل ما زغت". يعني أنه قد شغلته حروب الردة والفتوح وأرهقه إرساء جهاز الدولة، حتى أنه ما كان ليستغرق في نومه ليتاح له أن يحلم، وظل يزاد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصديقية ليهبه الله - تعالى -يقظة أثناء هذا التعب تبعد عنه الوهم والسهو.

الترابي... !

ويترجم عبدالله بن عباس - رضي الله عنه - انغماسه في صورة جمع بين التواضع والصبر على مشقة التعلم وجمع الحديث، حتى أن الريح لتسفي عليه التراب، يرجو بذلك أن يستنشق نسمات الجنة، ويجتاز الصراط بلا حساب.

واسمعه يروي ما كان منه ويقول: (أقبلت أسأل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحديث، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح علي التراب، فيخرج فيقول لي: يابن عم رسول الله ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث) . ولوشاء أن يوقظوه لأيقظوه له مع الفرح، ولكن الهمم العالية تطرب لصفير الرياح ولفحات التراب.

هواية رفع الأثقال:

والداعية اللبيب يسابق أصحابه لحمل كل ثقيل من الأمور، فيكون يوم الجمع صاحب الميزان الثقيل، كما تسابق النخعيون يوم معركة القادسية. قال أحد الصحابة منهم:"أتينا القادسية، فقتل منا كثير، ومن سائر الناس قليل، فسئل عمر عن ذلك فقال: أن النخَع ولوا عِظَم الأمر وحدهم".

وما كان أحد ممن حضر القادسية إلا وأبلى، ولكن الدعاة إلى الله لهم هواية التسابق في رفع الأثقال.

حصن التربية الأسدية:

والذروة يعلوها التابعي العابد الفقيه المحدث الجليل أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي، نتاج تربية الأربعة الراشدين وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، فإنه عاف التجارات والبيوت وبنى له في الكوفة حصنًا صغيرًا يسعه هو وفرسه وسلاحه فقط، وبقي طول عمره متحفزًا للجهاد، حتى لم يعد يعرف موازين السوق التي يتعامل بها الناس. تجرد حق التجرد، فأنتج حق الإنتاج ذرية تجرد تتبعه، يعلم الدعاة بذلك طريق إنتاج الرجال باستخدام وسائل الإيضاح البصرية المجسدة.

أنتج أبو وائل أمثال: سليمان الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وحصين بن عبد الرحمن، وعمرو بن مرة، وغيرهم من فحول المحدثين.

إن من لا يفهم التربية يظن أن بناء هذا الحصن من التكلف والرياء، وما هو كذلك.

ذهب الفراغ.... !

ويموت شقيق الأسدي مع نهاية قرن الخير الأول، فيبادر الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز إلى ضرب الأمثال. تصفه زوجه فاطمة بنت عبد الملك فتقول:"كان قد فرّغ للمسلمين نفسَه، ولأمورهم ذهنه، فكان إذا أمسى مساءً لم يفرغ فيه من حوائج يومه: وصل يومه بليلته". يضرب المثل بذلك لداعية الإسلام إن أراد أن يصدق دعوته ويؤدي الأمانة.

صدق الداعية: أن يجدد أطوار عمر فيفرغ نفسه للمسلمين، فلا تجد له حركة دنيوية إلا بمقدار ما توجبه ضروريات إطعام عياله. ويفرغ ذهنه، فليس فيه إلا تفكر بمصالح الدعوة.

ويتعرض أصدقاءٌ قدماء لعمر، من أصدقائه قبل الخلافة يوم كان فارغًا، يودون أن تكون لهم معه جلسة يعيدون فيها الذكريات، فيقولون:"لوتفرغت لنا"، فيقول:"وأين الفراغ؟ ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله".. يلقنها لمن يدخل الدعوة بعده إذا دعاهم رفاق الأمس إلى قتل الأوقات.

موفق يجوب بحقيبة العلم راجلًا

ويستمر تلامذة أحمد بن حنبل، وأتباع مذهبه من بعده، يضعون وسائل الإيضاح البصرية في الاستخدام التربوي، فإنهم كما وصفهم الفقيه النحوي ابن عقيل:"غلب عليهم الجد، وقل عندهم الهزل".

فمن تلامذته: الحافظ الإمام الفقيه الزاهد المحدث: إسحاق بن منصور المعروف بالكوسج، شيخ البخاري ومسلم وغيرهما. كان يسكن نيسابور بخرسان، فرحل إلى بغداد ودوّن عن أحمد بن حنبل مسائل في الفقه كثيرة، ورجع إلى نيسابور، ثم إنه: (بلغه أن أحمد بن حنبل رجع عن بعض تلك المسائل، فحملها في جراب على كتفه، وسافر راجلًا إلى أحمد، ثم عرض خطوط أحمد على كل مسألة استفتاه عنها فأقرّ له بها وأعجب به) .. وأحدنا الآن يجلس على أريكته وبجنبه مسند أحمد مطبوعًا محققًا مجلدًا مذهبًا يتكاسل أن ينظر فيه.

الحنابلة يحفظون السمت:

ويرسم ابن عقيل، النحوي الفقيه الحنبلي، صورة الداعية الذي لا تكون خطراته وسبحات فكره - بل أحلامه إذ ينام - إلا في الدعوة، ويجلي ذلك بقوله:"إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة: أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح".. فانظر، كم ساعة من نهارك وليلك تضيع سدى؟

وخلفه الشيخ الزاهد الفقيه محمد بن أحمد الدباهي. قالوا: (لازم العبادة، والعمل الدائم والجد، واستغرق أوقاته في الخير.. صَلْبٌ في الدين، وينصح الإخوان، وإذا رآه إنسان: عرف الجد في وجهه) .

وهكذا يجب أن تكون دائمًا علامة الدعاة سيماهم في الجد ظاهرة في وجوههم، لا يخطؤها النظر. ليس لهم نصيب من الهزل والضحك والبطالة.

أصحاب الإمام البنا يجددون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت