نرى إخواننا يتضورون جوعا، وهم يعانون مخاطر الاستئصال والتشريد، ومع ذلك لا تجود أنفسنا إلا بأقل القليل لمساعدتهم!!
تجد المرء منا يجلس لسماع درس ديني في الجامع، فإذا به يخرج منه وكأنه أصبح عالما في أمور الدين فقيها في الفتوى!!
وهكذا ... نجد أن جميع سلوكياتنا قد تغيرت. ومع كل هذه المظاهر المرضية التي أصابت الأمة، تجد الأفراد متعجلين لنصر الله لهم على الأعداء. فإذا ما قاموا بالدعاء لإخوانهم بالنصر والتمكين في الأرض، وتأخر نصر الله قليلا - لحكمة يعرفها جل شأنه - ترى الأمة متبرمة متأففة لطول زمن الابتلاء!!
إن الله لن يغير واقعنا الذي نحياه إلا إذا بدأنا نحن في تغيير أنفسنا. فعلينا طريق شاق وطويل من التغيير يجب أن نجتازه أولا، حتى ينعم الله علينا بنصرنا الموعود. وعلينا ألا نتعجل الأمور، وأن نثق بوعد الله، فهو نعم الناصر وهو نعم المعين.
6-غياب القدوة الفعالة وانتشار القدوات الفاسدة:
مما لا شك فيه أن القدوة تعطي الإنسان دفعة قوية للعمل. فوجود نموذج حي أمام الشخص يجسد النماذج النظرية التي نسمع بها ويحولها إلى واقع معاش هو أمر مساند ودافع لمن حوله لكي ينتهجون طريقه ويحتذون بسيره. أما في الوقت الراهن، فقد انتشرت نماذج تافهة تم تسليط الأضواء عليها مما أعطاها هالة كبيرة وأصبحت وكأنها هي النماذج الرئيسة التي يجب على جميع فئات الأمة الإقتداء بها والسير على نهجها. ونظرا لتسليط الأضواء عليها بشدة، فقد تاقت إليها نفوس شباب الأمة، وأصبح جل همهم أن يسعوا سعيهم ويقتدوا بأمرهم. هذه القدوات - هكذا - هي قدوات فاسدة لا يمكن أن تقود الأمة لانتشالها من الواقع الأليم الذي تعيشه، بل أنها تدفعها إلى هاوية سحيقة لا تستطيع الفكاك منها إذا انحدرت إليها. علينا الإقتداء بسير الصحابة، وبسير العلماء الربانيين الذين تم حجب سيرهم عن عمد، حتى تحيد الأمة عن طريقها وتخرج عن طريقها.
7-ضياع الأمانة بتوسيد الأمر لغير أهله:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ. فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ. فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ. حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ، قَالَ: أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ؟ قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه! قَالَ: فَإِذَا ضُيِّعَتْ اْلأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ. قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إِذَا وُسِّدَ اْلأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ. [7] ووسد بمعنى أسند.
وجاء عن ابن حجر العسقلاني في تفسيره لهذا الحديث: أجاب عن كيفية الإضاعة بما يدل على الزمان لأنه يتضمن الجواب، لأنه يلزم منه بيان أن كيفيتها هي الإسناد المذكور. والمراد من"الأمر"جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والإمارة والقضاء والإفتاء وغير ذلك ... وقيل: معنى"أسند الأمر إلى غير أهله"أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها.
وفي الوقت الراهن، نجد أن الأمة تسند الأمور لغير أهلها على صعيد الأمور الدينية، بل وتعدى الأمر هذا إلى الأمور الدنيوية كذلك. إن تضييع الأمانة يضرب بمعوله في الأمة من جهتين: فهو يؤدي بمن كان صاحب الحق في تولي المنصب للشعور بالنقمة على المجتمع لأنه اختار من هو أقل منه علما وكفاءة ويؤدي به للإحباط وعدم التفاعل مع المجتمع بل والانعزال عنه بما يحرم المجتمع من جهوده التي كان مؤهلا لأدائها.
ومن ناحية أخرى، فإن الأفراد الذين يرون حدوث ذلك يصابون بحالة كبرى من اللامبالاة واليأس والإحباط، وينعدم داخلهم الأمل في التعلم والتدريب، لأنهم يرون ارتفاع قيم الفهلوة واللباقة على معايير الكفاءة في الاختيار.
ولقد كان هذا العامل هو السبب الرئيسي وراء انهيار المجتمع الروسي. فلقد قال أحد ضباط المخابرات السوفيتية - بعد تجنيده للمخابرات الأمريكية - معللا السبب وراء انهيار الاتحاد السوفيتي، إنهم كانوا يرشحون ذوي الكفاءات المنخفضة والمعدمة لتولي المناصب الحساسة والهامة في البلد، وهذا ما أصاب البلد ككل في مقتل وأدى إلى انهيارها واندحارها.
8-الخوف من الأنظمة البوليسية
لاشك أن ما يلقاه المرء في سجون بلاده من ذل وهوان، وهو ما يتم الكشف عنه في شكل المذكرات التي يكتبها من يتعرضون للاعتقال، لا شك أن ذلك قد أثر كثيرا في إضفاء شعور اللامبالاة على سلوكه. ولقد أصبحت الممارسات البوليسية من الظواهر المزعجة التي تميز نظم الحكم في البلاد الإسلامية. ولذا لم يكن عجيبا أن نسمع الرد الأمريكي على الأصوات العربية التي تأذت من ممارسات الجنود الأمريكيين مع المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب المتمثل في قولهم بأن ما فعلناه ليس بأكثر مما يجري عندكم في بلادكم. وهذا حق!!!! فما فعلوه هم هناك يعد أقل وبكثير مما يجري في بلادنا. ولذا انتشرت بين المواطنين الأمثال المسكوكة التي تكرس حالة الانعزالية و"الأنامالية"، من قبيل:"امشي جنب الحيط"و"الحيطان لها ودان"... الخ.
النتائج: ما أصبحنا عليه الآن:
لقد تفاعلت جميع العوامل السابقة في إفراز حالة غريبة ومزعجة من اللامبالاة وانعدام التفاعل مع الأحداث، تمخض بشكل فج في عدم رد الفعل على ما يحدث لإخواننا من حولنا على أيدي قوى البطش والجبروت الأمريكية والإسرائيلية في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان.
كما كان من نتائج هذه العوامل ظهور عدة سمات جديدة أصبحت تطبع بخاتمها على تصرفات الأفراد في مجتمعاتنا، وتتجلى هذه السمات الجديدة فيما يلي:
وليس من شك أن من أولى الأمور التي على المسلمين أن يبدءوا بها هي العودة إلى دينهم والتمسك بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم والالتزام بآدابه وهديه.
نريد أن يتحول الغضب الكامن في صدورنا إلى برنامج عملي يؤدي بنا للرجوع لطلب العلم الشرعي وفهم قضايا ديننا، وألا يكون همنا إذا ما حدث حادث أن نجري سريعا لأي شيخ لكي يرد ويفسر لنا الأمور - فلماذا لا نتعلم نحن حتى نستطيع الرد بأنفسنا؟