فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 788

ففي ظل إدراك المسلمين لحقيقة العلم وقيمته: برز أبو بكر الرازي أول من عمل عملية إزالة الماء من العين ، وظهر ابن سينا الذي كان كتابه الطبي (القانون) يدرس في جامعتي (كمبردج، وأكسفورد) وغيرهما من مشاهير الأطباء كثيرون ، وبرع جابر بن حيان في علم الجبر، واكتشف كثيرا من أسرار الكيمياء، وسبر العرب علم الفلك ، فكانوا أول بناة للمراصد الفلكية في العالم، وأول صانعي المناظير [التليسكوبات] فضلا عن تقدمهم في فنون الهندسة المختلفة، ومحاولة الطيران في السماء التي كان أول من فكر فيها عباس بن فرناس.

• إن العلم الذي تنهض به أمتنا هو كل علم نافع ، سواء كان من علوم الشريعة أو من علوم الطبيعة أقصد كل العلوم التي يحتاجها الناس في حياتهم كالطب والهندسة والزراعة والكيمياء وعلم الأحياء وعلم الفيزياء وعلم الإحصاء وسائر العلوم التي تعد من المقومات الأساسية للنهضة الحضارية ، العلوم التي توجَّه الإنسان وتأخذ بيده وتيسر له القيام بمهمته في الوجود.

منزلة العلم من الدين

• ولقد تحدث العلماء عن فروض الكفاية التي إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين ، وإذا لم يقم بها أحد أثم كل قادر على القيام بها ، ومن هذه الفروض تعلم العلوم التي تستغني بها الأمة عن أعدائها وتدافع بها عن كيانها ، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة الأنفال { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } {60} .

فكل قوة يستطيع المسلمون إعدادها ثم يقصّرون فإنهم آثمون ، والعلوم الحديثة بكل جوانبها واجبة على الأمة ، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وكل ما يحتاج إليه المسلمون من العلوم ليحقق لهم التفوق على غيرهم ولتكون لهم القوة على عدوهم ، فهو فرض كفائي عليهم ، تأثم الأمة إذا فرطت فيه [8] .

بين العلم والإيمان:

وحين نتأمل في موقف الإسلام من العلم نجد ترابطًا وثيقًا بين العلم والإيمان فكلما ازداد الإنسان علمًا كلما ازداد يقينًا ومعرفة وخشية لله عز وجل ،قال تعالى مبيان أن العلماء هم أشد الناس خشية له ومعرفة بمقامه {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ 27} وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ {28} سورة فاطر ، فالعلم يهدى إلى الإيمان ويقوي دعائمه ، والإيمان يدعو إلى العلم ويرغّب فيه ، هذه العلاقة الوثيقة لا نجدها في غير الإسلام يقول روجيه جارودي ( ولم يفصل الإسلام الحكمة عن العلم ولم يقبل معالجة أي فرع من فروع العلم بمعزل عن العقيدة التي هي هدف في ذاتها ) [9] .

ولكي ترقى الأمم وتتقدم فلا بد لها من الإيمان والعلم معًا ؛ أما العلم وحده:"فقد يرفع أمة حتى تعانق السماء رفاهية ورغدًا ، ولكنها سرعان ما تتداعى مثلما تتساقط أوراق الخريف التي تعصف بها الرياح [10] "وكم من أمة غنية قوية ولكنها تعيش على شقوة مهددة في أمتها مقطعة الأواصر بينها يسود الناس فيها القلق ويظهر الانحلال ، قوة بلا أمن ومتاع بلا رضا وحاضر زاهٍ يترقبه مستقبل نكد ، إنه الابتلاء الذي يعقبه النكال" [11] ."

وصدق القائل:

والعلم إن لم تكتنفه شمائل *** تعليه كان مطية الإخفاق

رب ركب قد أناخوا عيسهم *** في ذرى مجدهم حين بسق

سكت الدهر زمانا عنهم ثم أبكاهم دما حين نطق

ولقد فاق المسلمون غيرهم قرونا وعقودًا من الزمان حين سمت عندهم مكانة العلم وأخلصوا في طلبه وأكرموا أهله 0

أرى الركب إن سرنا كانوا لنا تبعا *** وإن نحن أومأنا لهم وقفوا

وفي الوقت الذي كانت فيه أوروبا ترقد في ظلام دامس وتغطُّ في سبات عميق كان المسلمون قد سبقوا عصرهم في شتى العلوم ، وهانحن في هذا الزمان وقد تبدّل حالنا وصرنا في مؤخرة الركب بعد أن كنا في مقدمته ، صرنا تابعين بعد أن كنا متبوعين لأننا فصلنا بين العلم والدين ، بحجة مواكبة الغرب ونسينا أن ديننا يرغب في العلم ويدعو إليه ويمهّد طريقه ، ويدعو إلى رعاية طلابه وأساتذته مادياّ ومعنويًا .

ومن هنا فلا عودة لنا إلى سابق عزنا ومجدنا إلا إذا أقبلنا على العلم من منطلق إيماني خالص ، عندئذ نعود إلى سالف مجدنا وسابق عزنا .

يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين( فإذا أراد العالم الإسلامي أن يستأنف حياته ، ويتحرر من رق غيره ، وإذا كان يطمح إلى القيادة فلا بد من الاستقلال التعليمي ، بل لا بد من الزعامة العلمية وما هي بالأمر الهيّن ، إنها تحتاج إلى تفكير عميق ، وحركة التدوين والتأليف الواسعة ، وخبرة إلى درجة التحقيق ، والنقد بعلوم العصر مع التشبع بروح الإسلام والإيمان الراسخ بأصوله وتعاليمه ، إنها لمهمة تنوء بالعصبة أولى القوة ، وهى من شأن الحكومات الإسلامية ، تنظم لذلك جمعيات ، وتختار لها أساتذة بارعين في كل فن فيضعون منهاجًا تعليميًا يجمع بين محكمات الكتاب والسنة وحقائق الدين التي لا تتبدل وبين العلوم العصرية النافعة والتجربة والاختبار ، ويدونون العلوم العصرية للشباب الإسلامي على أساس الإسلام وبروح الإسلام وفيها كل ما يحتاج إليه النشء الجديد ، مما ينظمون به حياتهم ويحافظون به على كيانهم ويستغنون به عن الغرب ... ، ويستخرجون به كنوز أرضهم وينتفعون بخيرات بلادهم ، وينظمون مالية البلاد الإسلامية ، ويديرون حكوماتها على تعاليم الإسلام بحيث يظهر فضل النظام الإسلامي في إدارة البلاد ، وتنظيم الشئون المالية على النظم الأوربية ، وتنحل مشاكل اقتصادية عجزت أوربا عن حلها.

وبالاستعداد الروحي والاستعداد الصناعي والحربي والاستقلال التعليمي ينهض العالم الإسلامي ، ويؤدى رسالته وينقذ العالم من الانهيار الذي يهدده ، فليست القيادة بالهزل ، إنما هي جد الجد ، فتحتاج إلى جد واجتهاد ، وكفاح وجهاد ، واستعداد أيما استعداد ) [12] .

المسئولية العلمية للأسرة المسلمة

وواجب الأسرة أن تدفع أبناءها إلى طلب العلم وترغبهم فيه وتحفزهم على التفوق والنبوغ حتى يرتقوا بأنفسهم ومجتمعاتهم وينهضوا بأمتهم.

• ينبغي أن يوجَّه الصبي من صغره إلى طلب العلم لأن العلم في الصغر كالنقش على الحجر والعلم في الكبر كالنقش على الماء ، والطفل يملك من الاستعداد الفطري والصفاء الذهني ما يعينه على حفظ القرآن والأحاديث النبوية ومتون علوم اللغة والشريعة .

• كما ينبغي أن يُعلم الطفل آداب طلب العلم حتى يتحلى بها: ومن أهمها الإخلاص والتقوى والصدق والصبر وتوقير المعلم وتنظيم الأوقات والاعتدال في المأكل والمشرب والنوم [13] .

• كذلك ينبغي أن يشجع على القراءة والمطالعة والتدبر والتفكر وأن تراعى المواهب الناشئة والعبقريات المبكرة ويهيأ لها الجو المناسب للتفوق والابتكار.

• وأن يكون في البيت مكتبة نافعة لجميع أفراد الأسرة إلى جانب ترغيب الطفل في الذهاب إلى المكتبات الثقافية ، وحضور الندوات والمؤتمرات في المساجد والمنتديات وسائر المؤسسات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت