والوقت أمانة ومسئولية: شأنه في ذلك شأن سائر الأمانات وكافة المسئوليات التي سيسأل عنها الإنسان يوم العرض على الملك الديان ، قال صلى الله عليه وسلم ( لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به ) [20] .
والوقت من أغلى ما يمتلكه الإنسان: فالوقت هو الحياة ، وهو رأس مال الإنسان ، وإذا ضيعه فلا يمكن بأى حال من الأحوال أن يستردّه ، وشبهه بعض العقلاء بالذهب ، ولكنه أغلى وأنفس من كل نفيس.
والوقت أنفس ما عُنيت بحفظه ** وأراه أيسرَ ما عليك يهون
فالوقت أنفس من كل نفيس لأنه جزء من كيان الإنسان ، لأنه أنفاسه المعدودة في هذه الحياة.
حياتك أنفاس تعدّ فكلما ** مضى نفس منها انتقصت به جزءًا
والمؤمن وحده هو الذي يعرف قيمة الوقت ، لمعرفته بالغاية التي من أجلها خلق ، قال عز وجل ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إلا لِيَعْبُدُونِ {56} مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ {57} إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ {58} فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ {59} ( .
وصدق من قال
إذا كنت أعلم علم اليقين *** بأن جميع حياتي كساعة
فلم لا أكون ضنينا بها وأنفقها في صلاح وطاعة
إنما دنياك ساعة *** فاجعل الساعة طاعة
واحذر التقصير فيها *** واجتهد ما قدر ساعة
وإذا أحببت عزا *** فالتمس عز القناعة .
حرص السلف الصالح على أوقاتهم
وقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم حريصين أشد الحرص على الانتفاع بأوقاتهم واغتنامها واستثمارها ، فقد كانوا يسابقون الساعات ويبادرون اللحظات ضنّا منهم بالوقت ، وحرصًا على أن لا يذهب منهم سدى .
قال الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( ما ندمت على شئ ندمى على يوم غربت شمسه ، نقص فيه أجلي ، ولم يزد فيه عملى ) .
وقال الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إن الليل والنهار يعملان فيك ، فاعمل فيهما ).
وقال الحسن البصرى رضي الله عنه: يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم ذهب بعضك ، ويوشك إذا ذهب بعضك أن يذهب كلك وقال أيضًا: أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم [21] .
•• أثقل الساعات على الخليل بن أحمد ساعة يأكل فيها ! .
قال أبو هلال العسكرى في كتابه ( الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه ) [22] كان الخليل بن أحمد - الفراهيدى البصرى أحد أذكياء العالم (100:170) هـ يقول أثقل الساعات على: ساعة آكل فيها ، فالله أكبر ما أشد الفناء في العلم عنده ؟! ، وما أوقد الغيرة على الوقت لديه ؟!.
•• حرص الجاحظ والفتح بن خاقان وإسماعيل القاضى على العلم !
وروى الخطيب البغدادى في كتابه ( تقييد العلم ) [23] عن أبى العباس المبرد ، قال: ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة: الجاحظ - عمرو بن بحر إمام أهل الأدب ، ( 163 -255 ) والفتح بن خاقان - الأديب الشاعر أحد الأذكياء ، من أبناء الملوك ، اتخذه الخليفة المتوكل العباسي وزيرا له وأخًا ، واجتمعت له خزانة كتب حافلة من أعظم الخزائن ، (ت247 هـ) 0
وإسماعيل بن إسحاق القاضي - الإمام الفقيه المالكى البغدادى ( 200 - 282 هـ )
فأما الجاحظ فإنه كان إذا وقع بيده كتاب قرأه من أوله إلى آخره أى كتاب كان ، حتى إنه كان يكترى دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر في الكتب.
وأما الفتح بن خاقان فإنه كان يحمل الكتاب في كمه ، فإذا قام من بين يدى المتوكل للبول أو للصلاة ، أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي ، حتى يبلغ الموضع الذي يريده ، ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه ، إلى أن يأخذ مجلسه ، فإذا أراد المتوكل القيام لحاجة أخرج الكتاب من كمه وقرأه في مجلس المتوكل إلى حين عوده .
وأما إسماعيل بن إسحاق القاضى فإنى ما دخلت عليه قط إلا رأيته وفي يده كتاب ينظر فيه أو يقلب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه أو ينفض الكتب .
•• وقال عبيد بن يعيش: أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدى بالليل ، كانت أختى تلقمنى وأنا أكتب الحديث [24] .
وهذا الإمام جمال الدين القاسمي رحمه الله وقد عاش قرابة خمسين سنة وألف ما يزيد عن خمسين مؤلفًا وكانت حياته زاخرة بالعلم والدعوة والكفاح ، ومع ذلك كان يقول: يا ليت الوقت يباع فأشتريه.
"وبحرص سلفنا الصالح على أوقاتهم علا قدرهم وسما شأنهم ، وخلد ذكرهم ، أما في زماننا هذا فإن من أبرز أسباب تخلف المسلمين تفننهم وتفانيهم في تدمير وإهدار أوقاتهم في المقاهي والملاهي والطرقات وأمام التلفاز والتسجيلات الصوتية والمرئية وفي غير ذلك من المجالات التي لا فائدة منها ولا ثمرة من ورائها" [25] .
6.الصبر والتحمل
فطريق العلم ليس مفروشا بالورود والرياحين بل إنه يحتاج إلى صبر ويقين وعزيمة لا تلين ، فالطريق طويل والنفس داعية إلى الملل والسآمة والدعة والراحة فإذا طاوع طالب العلم نفسه قادته إلى الحسرة والندامة .
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن أطمعت تاقت وإلا تسلتِ
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
"ومن أعظم ميادين الصبر: الصبر في طلب العلم: فلا سبيل إلى طلب العلم إلا بالصبر ، فالصبر يضئ لطالب العلم طريقه ، وهو زاد لا يستغني عنه ، وخلق كريم لا بد وأن يتحلى به ، صبره على مشقة الترحال إلى الشيوخ وطول المكث عندهم والتأدب معهم ، وصبره على المذاكرة والتحصيل ، وفي قصة موسى والخضر دار هذا الحوار بين نبي الله موسى وبين الخضر عليهما السلام قال تعالى في سورة الكهف قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا {66} قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا {67} وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا {68} قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا {69} " [26]
• كذلك ينبغي على المعلم أن يتحلى بجميل الصبر مع تلاميذه وأن يتسع صدره لأسئلتهم فلا يضيق بهم ذرعا وأن يتحملهم ويحلم بهم ويترفق ويسهّل لهم التحصيل ، اقتداء بنبينا ومعلمنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي مدحه ربه بقوله {َفبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ 159}
7.المثابرة: فطالب العلم لا يعرف الملل ولا الكلل ولا يتوقف عن الطلب ؛ فالعلم بحر لا ساحل له ونهر لا ينقطع ، .. يقول بعض السلف: اطلب العلم من المهد إلى اللحد، أي منذ الطفولة إلى الموت، وكان كثير من السلف يطلبون العلم ويكتبونه، فيدخل أحدهم إلى الأسواق ومعه المحبرة - الدواة التي فيها الحبر - وسنه كبيرة فيُقال: لا تزال تحمل المحبرة ؟ فيقول: مع المحبرة إلى المقبرة، أي لا نزال نواصل العلم.
البيروني يتعلم مسألة في الفرائض وهو في مرض موته !.
جاء في معجم الأدباء لياقوت الحموي في ترجمة الإمام الفلكي الرياضي الفذ ، والمؤرخ اللغوي الأديب الأريب ، والعالم بالشريعة ومقارنة الأديان: الجامع لأشتات العلوم أبى الريحان البيروني ( محمد بن أحمد الخوارزمي( 362 - 440 هـ) :