أقول: عرف من سلف هذه الأمة عن أكثر من واحد منهم أنهم إذا قرؤوا تأثروا، فإذا تأثروا يعادون من الغد، يعادون، يزارون، مرضى، ونحن نسمع من يبكي في قراءة القرآن، وهو موجود -ولله الحمد- في هذه الأمة، لكن ما الأثر بعد هذه القراءة؟ تجده يبكي في أول الآية، ثم في آخرها الصوت لم يعتدل بعد، ثم في الآية التي تليها كأنه الآن دخل في الصلاة، فأين التأثر؟!.
القلوب غطاها الران وغطتها المكاسب، وغطاها التخليط في المآكل، الشبهات لم يتورع عنها كثير من طلاب العلم فضلًا عن المباحات التي كان سلف هذه الأمة يتورعون عنها ويتركونها خشية أن تجرهم إلى الحرام.
ذُكر عن علي -رضي الله تعالى عنه- أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، لكن شيخ الإسلام بن تيمية في منهاج السنة يقول: الوقت لا يستوعب.
يعني لو افترضنا ألف ركعة، كل ركعة بدقيقة، يعني تصور أن تصلى ركعة مجزئة بدقيقة، ألف ركعة كل ركعة بدقيقة تحتاج إلى ألف دقيقة، ألف دقيقة كم هي ساعة؟ العشرة الساعات ستمائة دقيقة، وتسعمائة، خمسة عشر ساعة، والمائة تحتاج إلى ساعة ونصف، يعني ستة عشر ونصف ساعة صلاة، فقط صلاة. شيخ الإسلام يقول: الوقت لا يستوعب.
وابن القيم -رحمه الله- في مدارج السالكين ذكر عن بعضهم أنه يصلى أربعمائة ركعة، فعلق المعلق -الشيخ حامد الفقيه - رحمه الله- فقال: إذا اعتبرنا أن كل ركعة بدقيقتين فالوقت لا يستوعب، لكن صلاة ركعة بدقيقة تحصل به الصلاة المجزئة.
ولهذا ثبت عن الإمام أحمد أنه كان يصلي في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة، والحافظ عبد الغني كما سيأتي في ذكره -إن شاء الله تعالى- يصلي ما بين طلوع الشمس وارتفاع وقت النهي إلى الزوال ثلاثمائة ركعة، لكنه يقتصر في قراءته على الفاتحة والمعوذتين، والله المستعان.
في الصحيحين أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (( نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل ) )قال سالم ابنه: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلًا، مبادرة في الامتثال، لما قال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: (( يا عبد الله، كن كأنك غريب، أو عابر سبيل ) )فكان عبد الله يقول: إذا أصبحت لا تنتظر المساء، وإذا أمسيت لا تنتظر الصباح.
بنى بيته بأسبوع بيده، بأسبوع، فكم تبنى البيوت الآن؟ بيوت سوقة الناس، وأقلهم شأنًا يحتاجون إلى أقل تقدير سنة، ثم بعد ذلك انظر ما تحملوه من الديون التي جاء الوعيد بشأنها، والشهادة في سبيل الله تكفر كل شيء إلا الدين، وابن عمر يبني بيته في أسبوع بيده؟!.
الناس إلى عهد قريب قبل انفتاح الدنيا إذا خرج صاحب الحاجة من بناء بيت أو شبهه من المسجد وقف عند الباب وقال: أعان الله من يعين، وساعدوه، الآن من يستطيع أن يقول مثل هذا الكلام؟ والله المستعان.
حال السلف في العبادة:
وعن أبي عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه يقسمون الليل أثلاثًا، يصلي هذا ثم يوقظ هذا.
وقال ابن المبارك: ما بلغني عن أحد من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- من العبادة ما بلغني عن تميمٍ الداري.
وعن عثمان بن طلحة قال: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة، شجاعة ولا عبادة ولا بلاغة.
وعن الربيع بن خثيم قال: أتيت أويسًا القرني -هذا سيد التابعين، وجاء مدحه في صحيح مسلم، وعمر طلب منه أن يدعو له بأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: فوجدته قد صلى الصبح، وقعد فقلت: لا أشغله عن التسبيح، فلما كان وقت الصلاة قام فصلى إلى الظهر، فلما صلى الظهر صلى إلى العصر، فلما صلى العصر جلس يذكر الله إلى المغرب، فلما صلى المغرب صلى إلى العشاء، ثم نعس بعد صلاة العشاء أخذته عينه فلما انتبه، يقول: سمعته يقول: اللهم إني أعوذ بك من عينٍ نوامة، وبطنٍ لا تشبع، ذكر ذلك الشاطبي في الاعتصام.
وعن ابن المسيب قال: ما فاتتني الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة، مبادرة إلى الفرائض، والفرائض أولى بالاهتمام من النوافل، وإذا اهتم بالفرائض وفق للنوافل، وإذا فرط في الفرائض كيف يوفق للنوافل؟! قال: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت في قفا رجلٍ في الصلاة منذ خمسين سنة، ذكر ذلك الذهبي في السير.
وعن عثمان بن حكيم قال سمعت سعيد بن المسيب يقول: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد. وثبت عن بعضهم أنه قال: أن الذي لا يأتي إلى الصلاة حتى يدعى إليها إنه لرجل سوء.
وقال سعيد بن جبير: لقيني مسروق فقال: يا سعيد ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا بالتراب، وما آسى على شيء إلا السجود لله تعالى.
وعن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: كان مسروق يرخي الستر بينه وبين أهله، ويقبل على صلاته ويخليهم ودنياهم، ذكر ذلك أبو نعيم في الحلية.
وعن شرحبيل أن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني -عبد الله بن ثُوب- فلم يجداه في منزله، فأتيا المسجد فوجداه يركع، فانتظراه فأحصى أحدهم أنه ركعة ثلاثمائة ركعة.
وقال أبو الأحوص: قال لنا أبو إسحاق السبيعي: يا معشر الشباب اغتنموا -يعني قوتكم وشبابكم- قلما مرت بي ليلة إلا واقرأ فيها ألف آية، وإني لأقرأ البقرة في ركعة.
ألف آية تكون: في جزء، ألف آية تكون: أقل من جزء، يعني إذا قلنا: القرآن ستة آلاف، إذا قسمناها على الثلاثين كم يكون في الجزء؟ إذا قلنا: ثلاثين؟.. لا أقل... لعلها تكون خمسة أجزاء أو أربعة أجزاء، يعني ورد خاص، قال: ما مرت بي ليلة إلا واقرأ فيها ألف ليلة، وإني لأقرأ البقرة بركعة، وإني لأصوم الأشهر الحرم وثلاثة أيام من كل شهر والاثنين والخميس.
المقصود أنه من أهل العلم إضافة إلى العلم، أبو إسحاق السبيعي من كبار المحدثين، من الرواة الحفاظ، ومع ذلك لم يشغله ذلك عن العمل، ويخبر الشباب بهذا، وليس هذا من إظهار العمل الذي يقلل الأجر، وإنما هو من أجل الاقتداء، فإذا غلب على الظن أنه يقتدى به كان الأثر المترتب على إظهاره أكثر من الأثر المترتب على إخفاءه، قال: ذهبت الصلاة مني وضعفت، وإني لأصلي فما اقرأ وأنا قائم إلا بالبقرة وآل عمران.
وقال حماد بن سلمة: ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله -عز وجل- فيها إلا وجدناه مطيعًا، إن كان في ساعة صلاة وجدناه يصلي، وإن لم تكن في ساعة صلاة وجدناه إما يتوضأ أو عائدًا مريضًا أو مشيعًا جنازة أو قاعدًا في المسجد، قال: فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله -عز وجل-.
وقال معتمر بن سليمان التيمي لمحمد بن عبد الأعلى: لولا أنك من أهلي ما حدثتك عن أبي بهذا، مكث أبي أربعين سنة يصوم ويفطر يومًا، ويصلي الصبح بوضوء العشاء، وربما أحدث الوضوء من غير نوم.
وقال يحيى ابن المغيرة: زعم جريرٌ أن سليمان التيمي لم تمر ساعة إلا تصدق بشيء، فإن لم يكن صلى ركعتين.
وأما ما يروى عن أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري فكثيرٌ جدًا، فعن معمر بن إسماعيل قال: قام سليمان بمكة سنة فما فتر من العبادة سوى من بعد العصر إلى المغرب، وكان يجلس مع أصحاب الحديث وذلك عبادة.